7 Feb 2025
Like this post
في 30 كانون الثاني 2025، خرج الناطق الرسمي باسم حركة حماس، “أبو عبيدة”، ليعلن رسمياً عن مقتل عدد من قادة كتائب القسام، وعلى رأسهم قائد هيئة الأركان محمد الضيف. وأشار في خطابه إلى أن هؤلاء القادة لقوا حتفهم خلال عملية “طوفان الأقصى”. غير أن هذا التأخير في الإعلان عن وفاة الضيف وأعضاء المكتب العسكري أثار العديد من التساؤلات، وفتح المجال لعدة فرضيات تفسر هذا القرار، سواء من منظور عسكري واستراتيجي، أو في سياق المفاوضات والدعاية الإعلامية. يمكن تفسير هذا التأخير من خلال عدة فرضيات محتملة:
كان محمد الضيف، بصفته العقل المدبر لعملية “طوفان الأقصى”، يتمتع برمزية استثنائية قد تفوق تلك التي يتمتع بها القادة السياسيون. الإعلان المبكر عن وفاته كان من شأنه أن يؤثر سلباً على الروح المعنوية لمقاتلي حماس، وربما يُضعف الزخم القتالي للحركة في ذروة المواجهة. علاوة على ذلك، فإن الغموض حول مصيره سمح لحماس بمواصلة تنفيذ استراتيجياتها العسكرية دون منح إسرائيل أفضلية استخباراتية، مما ساهم في الحفاظ على حالة عدم اليقين بشأن القيادة العسكرية.
تشير بعض التقديرات إلى أن الضيف قد قُتل في غارة إسرائيلية في 13 يوليو 2024، ما يعني أن قرار تأجيل إعلان وفاته قد تم اتخاذه من قِبل القيادة العليا لحماس، وربما من قبل يحيى السنوار نفسه. ومع ذلك، حتى بعد وفاة السنوار – الذي نشر الجيش الإسرائيلي لاحقًا مقاطع توثق لحظاته الأخيرة ما عسر على حماس عملية كتم خبر وفاته – استمر التأخير، مما يعكس قراراً تكتيكياً مدروساً ظل ساري المفعول لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار خدمة لأهداف سياسية وعسكرية أكبر.
قد يكون التأخير مرتبطًا بالحسابات التفاوضية لحماس، خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات حول وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. فمن شأن الإعلان المبكر عن مقتل كبار القادة أن يُضعف موقف الحركة في هذه المفاوضات، بينما الإبقاء على الغموض حول مصيرهم كان يمنحها هامشًا أوسع للمناورة. وما يدعم هذه الفرضية أنه رغم إعلان الجيش الإسرائيلي عن مصرع الضيف في غارة جوية، تحدثت بعض التقارير فقط عن إصابته في إحدى رجليه، مما أتاح لحماس استغلال هذا الغموض لصالحها. على عكس مقتل إسماعيل هنية أو يحيى السنوار، الذي تأكد بسرعة بسبب امتلاك إسرائيل لأدلة موثقة (غالباً ما تكون على شكل تسجيلات)، فإن التكتم على مصرع الضيف ساهم في التشويش على الجانب الإسرائيلي.
أتى إعلان مقتل الضيف بعد أيام قليلة من بث قناة الجزيرة لحلقة “الطوفان” من برنامج “ما خفي أعظم”، التي تضمنت لقطات غير مسبوقة لمحمد الضيف ويحيى السنوار. وقد أحدثت هذه المشاهد صدمة كبيرة في الأوساط الإسرائيلية، حيث وصفت القناة 12 الإسرائيلية الحلقة بأنها “فضيحة استخباراتية” كشفت حجم الإخفاقات الاستخباراتية الإسرائيلية. من هذا المنطلق، يمكن قراءة توقيت الإعلان على أنه جزء من حملة دعائية مدروسة، تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من التأثير الإعلامي والنفسي، وتعزيز صورة حماس كطرف متحكم في مجريات الحرب، حتى بعد فقدان قادتها العسكريين.
من المحتمل أن يكون التأخير في الإعلان عن مقتل الضيف وباقي القادة مرتبطًا بجهود حماس في البحث عن خلفاء للقادة العسكريين لضمان انتقال سلس دون إخراج الفراغ إلى العلن، الذي كان من الممكن أن يُستغل من قبل إسرائيل أو يثير اضطراباً داخل صفوف الحركة. مقتل شخصية مركزية مثل الضيف فرض ويفرض إيجاد بديل قادر على الحفاظ على النهج العسكري والاستراتيجي. بالتالي، قد يكون التأخير نابعاً من ضرورة إعادة ترتيب القيادة، وتأمين بدائل جاهزة لتولي المسؤولية، قبل كشف هذا المستجد إلى الرأي العام، وهو الاحتمال الذي يظل مطروحاً في مرحلة ما بعد تبادل الأسرى.
ما يمكن استنتاجه هو أن تأخير الإعلان عن وفاة محمد الضيف وأعضاء المكتب العسكري لم يكن مجرد صدفة، بل كان قراراً محسوباً، يعكس تداخل العوامل العسكرية، السياسية، والاستخباراتية في المعادلة. سواء كان الهدف هو الحفاظ على التماسك الداخلي، تحسين موقف حماس التفاوضي، أو استغلال التأثير الإعلامي، فإن اختيار التوقيت جاء ليخدم استراتيجية متعددة الأبعاد، تؤكد سعي الحركة إلى محاولة إدارة معركتها على أكثر من مستوى.