القضية الفلسطينية: بين قطار التطبيع وإقتصاد التكتلات الإقليمية

القضية الفلسطينية: بين قطار التطبيع وإقتصاد التكتلات الإقليمية

المشاريعُ السياسية لطالما كانت تاريخياً شبكةً من المصالح الاقتصادية و السياسية و يبدو أن المنطقة العربية دخلت هذا الصراع طوعا. وبالنسبة للكثيرين في الشرق الأوسط، فإن السيناريو المثالي هو أن تنشئ السعودية تحالفا مع إسرائيل وتركيا كقوة موازنة ضد الطموحات الإقليمية الإيرانية. احتدام المنافسة والصراع على النفوذ يبدو انه دخل منطقة الشرق الأوسط، مع الإعلان خلال قمة “مجموعة العشرين” الأخيرة في نيودلهي عن ممر اقتصادي يمتد من الهند إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا  ( India – Middle East – Europe Economic Corridor (IMEC)) كتطور تاريخي له تداعيات جيوسياسية بعيدة المدى يربط منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالشرق الأوسط وأوروبا.

إقتصاد التكتلات الإقليمية

وتحت ستار إقتصاد التكتلات الإقليمية، باتت السعودية “المعقل الأخير”، بعد إسقاط باقي المعاقل العربية سلماً وحرباً، مما سيغلق دائرة التطبيع مع إسرائيل من المحيط إلى الخليج، ويطوي ملف القضية الفلسطينية، ربما لعشرات السنين.

فهل تسعى اتفاقية (IMEC ) إلى إعطاء جهود التطبيع بين السعودية وإسرائيل دفعة؟ يذكر أن مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، نفى وجود صلة خاصة بين المشروع ومحادثات التطبيع الجارية بين إسرائيل والسعودية. لكن الرهان، بحسب قوله، “إن جميع المشاركين والجهات الراعية قادرون على العمل لتحقيق التكامل الإقليمي”. وهل يكون الشرط الأساسي حل مسألة القضية الفلسطينية بين قطار التطبيع وأقتصاد التكتلات الأقليمية؟

بين الطريقُ والحزامُ الصيني والممرُّ الهندي اضحت المنطقةُ العربيةُ داخل صراع القطبين وممكن الاستفادة من التنافس الدولي اقتصادياً. إلا أن وجود الدولة العبريّة كشريك مضارب في باطنه مشاريعُ سياسية ابرزها القضية الفلسطينية وحق العودة. فكيف للمنطقة أن تتحاشَى التورطَ في صراعِ الفيلةِ الدولية؟ وهل نعيش عصر التسويات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وابرزها تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم؟

سيناريوهات “التسوية”

الأنباء المتضاربة عن قرب توقيع إتفاق لا يلغي سيناريوهات “التسوية”. فالإتفاقيات تؤكد دور المملكة العربية السعودية ويُعزّز مكانتها الاقتصادية لتصبح ضمن أكبر 15 اقتصاداً عالمياً بحلول 2030. وعليه فهي أضحت شريكاً رئيسياً محاوراً في مسألة التوطين. المملكة ماضية في رؤيتها الإصلاحية الشاملة ومساراتها الإقليمية وخياراتها الدولية، الا ان مسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل لم يدخل بعد طور مناقشة البنود الجاهزة للتوقيع على الرغم مما أوردته وكالة رويترز للأنباء أن المملكة العربية السعودية مستعدة لمواصلة التطبيع مع إسرائيل مقابل اتفاق عسكري ملزم مع الولايات المتحدة، حتى دون تقديم تنازلات كبيرة من إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية.

في المقابل وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن اتفاقٍ بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للاحتفاظ بـ”خيار حل الدولتين” كجزء مما سمّته “اتفاقاً شاملاً” للتطبيع بين السعودية و”إسرائيل”. في الجهة المقابلة أكدت وزارة الخارجية الأميركية، أن المطالب السعودية والفلسطينية فيما يخص أي “اتفاق نهائي” بين الرياض وإسرائيل أصرت على أن “عنصراً فلسطينياً مهماً” يجب أن يكون حاضراً في أي اتفاق تطبيع محتمل.

وقال بايدن في وقت سابق إن إسرائيل والسعودية مازالتا بعيدتين عن التوصل إلى اتفاق للتطبيع، والذي سيشمل معاهدة دفاعية أميركية – سعودية وبرنامجاً نووياً مدنياً من الولايات المتحدة للسعوديين. ويقول مراقبون إن السعودية وهي تدرس خيار التطبيع مع إسرائيل لن تنظر فقط للمغريات الأميركية، لكنّها ستنظر أيضا لعامل الغضب الأميركي الذي قد ينجر عن تقارب الرياض الكبير مع الصين وروسيا، وأخيراً مع إيران.

دمج “إسرائيل” في المنطقة

و من المؤكد أن دمج “إسرائيل” في المنطقة، هو أمر تسعى إدارة بايدن إلى تحقيقه بشغف كبير، فبعد توقيع “اتفاقات أبراهام” بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، انصرف التركيز الأميركي خلال عام 2023 إلى محاولت تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. وقال بايدن في وقت سابق إن إسرائيل والسعودية مازالتا بعيدتين عن التوصل إلى اتفاق للتطبيع، والذي سيشمل معاهدة دفاعية أميركية – سعودية وبرنامجاً نووياً مدنياً من الولايات المتحدة للسعوديين.

وكانت حكومتا السعودية والولايات المتحدة قد أعلنتا، في 8 أيلول 2023، عن توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين لوضع بروتوكولٍ يسهم في تأسيس ممرات خضراء عابرة للقارات، من خلال موقع المملكة الذي يربط قارتَي آسيا بأوروبا؛ وذلك بهدف تيسير عملية نقل الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف عبر كابلات وخطوط أنابيب، وكذلك إنشاء خطوط للسكك الحديدية، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم جهود تطوير الطاقة النظيفة. أضف إلى ذلك تنمية الاقتصاد الرقمي، عبر الربط والنقل الرقمي للبيانات من خلال كابلات الألياف البصرية، وتعزيز التبادل التجاري وزيادة مرور البضائع من خلال ربط السكك الحديدية والموانئ.

ممر اقتصادي بطعمٍ سياسي

ويعدّ الممر الاقتصادي الذي يمتد من الهند إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا خطوة كبيرة في الاتجاه الى التطبيع، وتقدم ديبلوماسي مزدوج للدولة العبرية رحب بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووصفه بأنه “أكبر مشروع تعاون في تاريخنا” من شأنه أن “يغير وجه الشرق الأوسط وإسرائيل وأوروبا وسيؤثر في العالم أجمع”. استطاعت “الدولة” العبرية تحقيق اختراقات استراتيجية على صعيد القارّة الآسيوية، إذ نجحت في إقامة علاقات مع العديد من دولها، أبرزها الصين والهند وتركيا واليابان وتايلاند، وذلك عبر استراتيجية الطرق المتواصل على أبواب آسيا.

ويأتي الجهد الأميركي الهادف إلى التقريب بين السعودية وإسرائيل بعد أن قطعت علاقة الأخيرة بالبلدان العربية التي طبّعت معها خلال السنوات الأخيرة أشواطاً متقدمة، وانتقلت إلى مرحلة التعاون الذي بدا واعداً في عدة مجالات. وعلى سبيل المثال فقد تجاوز التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات 2.5 مليار دولار في عام 2022 وسجل 1.85 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2023، بينما بلغ حجم التبادل التجاري مع البحرين 8.5 مليون دولار في الأشهر السبعة نفسها.

الفلسطينيون في لبنان

من المؤكد انه لم يتم إغفال المسألة الفلسطينية في أي توافق إقليمي جديد، بل تحديداً لأنه لم يعد ثمة نظام إقليمي. فالتحالفات التقليدية جرى استبدالها بمشهد دائم التبدّل من النزاعات والتكتلات الظرفية والاقتصادية، وكل دولة تنظر إلى النظام الإقليمي على أنه بمثابة مائدة كبيرة بمقدورها أن تأكل منها وتتخذ مواقف تبدو متناقضة. قطار التطبيع السعودي الاسرائيلي بدأ والشرط الأساسي حل مسألة القضية الفلسطينية: فما مصير الفلسطينيين في لبنان ومتى العودة؟

ومن الرائج لبنانياً مشروع اميركي للتوطين ودمج اللاجئين في المجتمع اللبناني، وإاخراجهم من المخيم الى المجال العام اللبناني، والغاء الحظر المفروض على ممارستهم لمهن وأعمال معنية، ومنحهم اقامات دائمة وحقوقاً مدنية ولاحقاً سياسية، وانتظار اللحظة المناسبة لتجنيسهم. و يتحدث مسؤول اميركي عن 150 الف لاجئ فلسطيني في لبنان، وفيما مركز الاحصاءات اللبنانية يتحدث تقريبا عن نصف مليون واكثر.  ما يستجد من مشروع اميركي رائج التدوال في الاعلام حول مصير اللاجئين الفلسطينيين يحمل معه ابعاداً وتداعيات اقليمية عربية، وما بين لاجئي مخميات لبنان والاردن، ومصير الشتات الفلسطيني، تفكر الادارة الاميركية في مشروع دمج والغاء وشطب لمخيمات اللجوء الفلسطيني من خارج حدود الحق والمعيار الانساني والاخلاقي، بل انه سياسي بامتياز، وعنوانه الاخطر الغاء حق العودة والتوطين وتصفية القضية الفلسطينية.

تيارات سياسية لبنانية ترفض توطين وتجنيس الفلسطينيين، وترفض حتى فكرة الدمج، وخروج اللاجئين من المخيم. ويتفق فرقاء سياسيون وطائفيون لبنانيون شيعة ومسيحيون على رفض التوطين. مسألة التوطين هي هدف أميركي إسرائيلي لا تراجع عنه من قبلهما، وعلى الفلسطينيين الحذر الشديد من ذلك لأنه يهدم حقاً هاماً من حقوقهم الكبرى أيّ حق العودة. وعليه سيكون لبنان امام هذه الخيارات الصعبة في حال توصلت المملكة الى خيارات نهائية امام قضية التطبيع. فحسابات الحقل تختلف عن حساب البيدر فهل يدفع لبنان ثمن هذه التوازنات الإقليمية والمصالح الأقتصادية المتعاظمة؟