الإدمان الرقمي الخفي

الإدمان الرقمي الخفي

في عصرنا الحالي، تتنوع التحديات الصحية والنفسية التي تواجه الأفراد. بعضها ظاهر يتم التعامل معه عبر الطب والدراسات العلمية، فيما هناك سلوكيات أخرى تتسلل بصمت وتؤثر على حياتنا اليومية من دون أن ندرك خطورتها إلا متأخراً. أحد أبرز هذه السلوكيات هو الاستخدام المفرط للمحتوى الجنسي الرقمي أو ما يُعرف بالإباحية، والذي أصبح محور نقاش واسع لدى الباحثين والمؤسسات التوعوية في العالم العربي.

من المحرّم الاجتماعي إلى النقاش العلني

قبل سنوات قليلة، كان مجرد ذكر هذا الموضوع في الفضاء العام يواجه برفض اجتماعي واسع، إذ اعتُبر الحديث عنه “تابو” قد يؤدي إلى فضول غير مرغوب فيه. لكن ابتداءً من العام 2014، بدأت مبادرات متخصصة في طرحه بشكل علمي، من بينها مؤسسة واعي، التي خاضت نقاشات وورش عمل واجهت في البداية موجة من النقد والرفض، قبل أن تتحول مع الوقت إلى رافعة للتوعية وفتح المجال أمام النقاش العلمي.

يشير الدكتور زكريا، نائب المدير التنفيذي للمؤسسة، إلى أن العمل المستمر خلال عقد من الزمن عبر مقالات، تطبيقات، ودورات تدريبية، ساهم في كسر الصمت حول الموضوع. اليوم بات من المألوف أن نرى مؤثرين ووسائل إعلامية تتحدث عنه بشكل مباشر، بعدما كان ذلك مستهجناً تماماً.

عوامل الانتشار في لبنان

بحسب عمر طه، مدير الموارد البشرية في فرع المؤسسة في لبنان، فإن انتشار الإباحية يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها، ضعف الوعي بمخاطر الاستخدام المفرط للإنترنت والمحتوى الرقمي، سهولة الوصول إلى هذا النوع من المواقع عبر الهواتف والأجهزة اللوحية، سرعة الإنترنت وتوافره بأسعار زهيدة، إلى جانب ضغوط اجتماعية واقتصادية مثل صعوبة الزواج وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتشير الإحصاءات إلى أن معدل بقاء المستخدم اللبناني على هذه المواقع يتجاوز 9 دقائق في الجلسة الواحدة، وهو رقم مرتفع نسبياً ويعكس الحاجة إلى التوعية.

التعافي والتعامل العلمي

على الرغم من صعوبة التحدي، يؤكد الباحثون أن التوقف عن الاستخدام المفرط للمحتوى الجنسي الرقمي أمر ممكن وملموس. وفقاً للدكتور زكريا، تستقبل المؤسسة أكثر من 500 رسالة يومياً من أفراد يعلنون نجاحهم في تقليل أو التوقف عن هذا السلوك.

يضيف أن النظرة الحديثة تعتبره سلوكاً إدمانياً قابلاً للعلاج عبر برامج نفسية وسلوكية، وليس مجرد مشكلة “أخلاقية”. من أبرز التحولات الإيجابية في الوعي، إدراك الأفراد أن الانتكاسات لا تعني الفشل، وأن التعامل مع الأمر ينبغي أن يكون وفق نهج علمي يركز على تعديل السلوك وبناء أنماط حياة صحية، بدلاً من جلد الذات أو فقدان الثقة بالنفس.

الاستخدام المفرط للإباحية ليس قضية هامشية، بل سلوك يؤثر على التركيز، العلاقات، والإنتاجية، وقد يقود إلى اضطرابات نفسية واجتماعية إذا لم تتم معالجته مبكراً. الحل يبدأ بالتوعية، وبمقاربات علمية متوازنة تعترف بالمشكلة وتسعى لبناء بيئة رقمية صحية.

التغيير ممكن، والتعافي يبدأ بخطوة صغيرة نحو الوعي والمعرفة، بدعم مبادرات ومؤسسات تعمل من أجل مجتمع أكثر توازناً وصحة.