12 Feb 2024
Like this post
أصدر مصرف لبنان تعميماً رقم 166 يقضي بصرف 150 دولاراً لكل حساب مصرفي عالق لدى المصارف، وسيشارك مصرف لبنان في تحمل تكلفة سداد الـ150 دولاراً للمودعين المستفيدين من التعميم البديل عن التعميم 151 وسيتحمل نصف تكلفة التعميم البالغة قرابة 230 مليون دولار سنوياً.
ويبدو أن التعميم 166 مؤقت لمرحلة قصيرة الى حين صدور قانون الكابيتال كونترول الذي سيحدّد المبلغ الشهري للسحوبات النقدية، و الى حين إقراره سيكون مبلغ الـ150 دولاراً هو الوحيد المتاح للمودعين لأن أيّ سحوبات نقدية تتخطّاه لن تكون على سعر الصرف الـ89500 ليرة.
إن أهمية التعميمين 166 و167 ليست لناحية مبلغ الـ150 دولاراً الذي سمح للمودعين بسحبه، بل لناحية تحويل كافة الحسابات من “لولار” إلى دولار حقيقي، ووقف جميع أنواع الـ”haircuts” المطبقة سابقاً. بالإضافة إلى ذلك، فإن أهمية التعميم 166 تكمن في تحويل ميزانيات المصارف من افتراضية إلى حقيقية على سعر الصرف الواقعي، ما سيفرز المصارف بين القادرة على الاستمرار والمصارف العاجزة. إن تعميم الـ150 دولاراً من شأنه إحداث تقدّم ملحوظ جداً في ملف الودائع “فالمصارف حين تلتزم بسداد 150 دولاراً لأصحاب الودائع التي كانت تعتبرها غير مؤهلة فهي بذلك تعترف بأهلية تلك الودائع وهذا الأمر يعَد انتصاراً جزئياً للمودعين”.
كيف بدت خارطة الطريق للمودعيين؟
يبقى السؤال: هل ستستطيع المصارف تمويل كلفة تسديد 150 دولاراً شهرياً للمودعين وهي التي عجزت عن الالتزام بتوسيع شريحة المستفيدين من الـ158؟ وماذا سيحلّ بالمصارف بعد اعتماد سعر الصرف الحالي لإعادة تقييم موجوداتها ومطلوباتها؟
أن اعتماد سعر الصرف الفعلي سيعكس الصورة الواقعية لوضع المصارف المالي وحجم رساميلها وسيولتها وملاءتها. وسيحدّد تالياً (وفق قانون الهيكلة) من هي المصارف القادرة على الاستمرار وإعادة الرسملة ومن هي المصارف التي ستخرج من السوق
الكيل في مكيالين
في ظل المستويات الهائلة للتضخم بالبلد، فالـ150 دولاراً تُعد مبلغاً زهيداً جداً مهما بلغت قيمة الوديعة، بالإضافة إلى ترسيخها للتمييز بين المودعين. ويمتنع مصرف لبنان من تحديد سعر صرف للسحوبات اقترحه بعض المصرفيين بدلاً من 15000 ليرة لكنه أدنى من السعر الحقيقي للدولار بنحو 50 في المئة.
ودائع المصارف لدى مصرف لبنان التي تبلغ حوالي 75 مليار دولار والتي تشكّل حوالي 80 في المئة من أموال المودعين، لا تزال تحتسب كموجودات حقيقية على سعر صرف الـ89500 ليرة، «وبالتالي من الطبيعي عند احتساب الموجودات على سعر صرف الـ89500 أن يقابله احتساب مطلوبات المصارف على 89500 ليرة على أن يكون هناك توازن في حال وجود تغطية من موجوداتها لمطلوباتها. أما في حال لم يكن هناك توازن بينهما، فهذا يعني ان المصارف قد باعت ودائعها لدى مصرف لبنان أو أودعت ما حصّلته من دولارات عبر تسديد قروض وغيرها، في حسابات شخصية غير تابعة للمصرف المعنيّ أي استخدمتها خارج إطار ميزانية المصرف وموجوداته، أو خفّضت بنسبة كبيرة قيمة القروض التي تمّ تسديدها مقابل دولار نقدي.
ويبدو ان مشكلة المصارف هي مع فكرة إعادة الاعتبار لما تعتبره “ودائع غير مؤهّلة”. وهي الودائع التي دفنها الحاكم السابق رياض سلامة من خلال التعميم 151، الذي حصر سدادها بآليّات تقتطع 83% من قيمتها، من خلال سعر الصرف المعمول به لهذه السحوبات.
هكذا، وبمجرّد منح المستفيدين من التعميم 151 هذه السحوبات الدولاريّة، أو ما يوازيها بالليرة، ستخسر المصارف ما تم تحقيقه على مدى السنوات الماضية، من خلال تطبيع التمييز بين الودائع المؤهّلة وتلك “غير المؤهلة”. ولهذا الأمر تبعات خطيرة: فعدم تمييز الودائع المؤهلة و”غير المؤهّلة” اليوم، سيزيد من صعوبة تمرير هذا التمييز في مرحلة إعادة هيكلة القطاع المصرفي. لن يكون من السهل فرض الودائع “غير المؤهلة” كفئة مستقلّة من الحسابات، إذا اكتسب أصحاب هذه الودائع حقوق السحب النقدي، كحال أصحاب الودائع المؤهلة. وتحييد الودائع “غير المؤهلة” عن الاقتطاع من قيمة السحوبات اليوم، سيمهّد لمطالبة المودعين بضمان قيمتها حتّى سقف معيّن، كحال الودائع المؤهلة.