ما خلصنا نحنا ويّاك

ما خلصنا نحنا ويّاك

لم يكن الانسجام مع زياد الرحباني يوماً أمراً سهلاً، ولا حبّه حالةً خالصة.
لم أجد نفسي يوماً متماهياً معه في كل مواقفه. كنت أغضب من تصريحاته في المقابلات، وأجدني في حيرة أمام بعض خياراته. لكنني، رغم ذلك، كنت أعود إليه.

في الحقيقة، كنت أغار دائماً من أولئك – في خطٍّ سياسيّ مختلف – الذين وجدوا فيه تطابقاً تامّاً مع ذواتهم. الذين أحبّوه من دون تحفّظ، وتماهوا معه بلا أسئلة.

أما أنا، فكانت علاقتي به كمن يمنع نفسه عن نزوة، أو خصلة يحبّها لكنه مقتنع بأنها مؤذية، فيحاول أن يكفّ عنها، ويفشل. ثم يؤنّبه ضميره، فيعيد المحاولة مراراً، ويفشل أيضاً.

ولأكسر حلقة الفشل والندم هذه، ولأستمع إلى موسيقى وتسجيلات زياد بلا ذنب، اقتنعت – ومع مرور السنوات – أن المسألة لا تتعلّق بمدى تطابقنا معه، بل في كيف يصبح كلّ واحدٍ منّا قريباً منه بطريقته.

كيف يصنع كلّ فرد نسخته الخاصّة من زياد.
نسخة يسمعها في السيارة وفي السهرات.
نسخة تذكّره بحبٍّ أدرك قيمته متأخراً، بعدما أضاعه.
نسخة يختبئ خلفها حين يعجز عن التعبير، أو يجد فيها ما يشبه وحدته، غضبه، ضيقه من العالم.

هناك زياد الذي صار صوته جزءً من ذاكرة الجدران، من روائح البيوت.
وزياد آخر، يطلّ علينا من مسرحية، فيضحك منّا بذكاء، كأنّه يعرف كل شيء عن حياتنا الصغيرة:
عن الخيبة، عن سخافة اليوميّات، وعن ذلك الغضب الذي نخفيه من أنفسنا.

كالغضب، والحب، والثورة، زياد أشبه بحالة نعيشها، نلتقطها من بين سطور أغنية، أو من جملة حواريّة تلخّص عالماً كاملاً.

كلّ واحدٍ منّا يملك “زياده” الخاص، الذي يذكّره بما أراد نسيانه، أو بما لم يستطع أن يقوله بصوته.

لم يكن زياد يسعى لترضية أحد.
كان أقرب إلى من يضع المرآة أمامك، ويريك الحقيقة، والارتباك، والأسئلة التي نُسكتها خوفاً من وضوحها.


صعبٌ للغاية أن يكون الشخص كلّ هذا، وفوق ذلك حادّ الذكاء في النكتة، والكلمة، واللحن، والصوت، والشخصيّة، والتعبير، والصمت، والغياب، والعودة.

لم يكن سرّ زياد في الموسيقى أو الكلام، بل في تلك القدرة النادرة على جعل كلّ فرد يشعر وكأنّه يستمع إلى “زياده”.
كأنّ صوته يتسلّل إليك وحدك، وكأنّ نصّه كُتب لك وحدك.
ربما لهذا السبب لم أستطع أن أكون محايداً أمامه. لم أستطع أن أتعامل معه كفنانٍ بعيد.

لأنّه، بطريقة غريبة، دخل في تفاصيل أيّامنا: في طرقات المدينة، في أحاديث المقاهي، في سهرات البرندا الوحدانية، في نقاشات العتب على البلد، وفي علاقات الحبّ المعقّد، أو حتى الحبّ البسيط.
لم يعد مهمّاً أن أفهم زياد تماماً. ولا أن أوافقه أو أخالفه.
صار يكفيني أن أستمع إليه، كمن يفتح نافذة يعرف ما الذي سيفيض منها.

صرت أعرف متى أحتاجه:
حين تضيق بي المدينة، أو حين يضيق بي قلبي.
حين أشعر أن شيئاً ما داخلي يذبل.
أدركت، بعد وقتٍ، أن زياد لا يُؤخذ كلّه، ولا يُترك كلّه.
وأن العلاقة معه ليست انتماءً، بل مزاج.


وليست إعجاباً، بل مرآة تُظهر لي أكثر ممّا تُظهر منه.
ربّما هذا هو أثره الحقيقي: أن نحبّه كما نحن، لا كما هو.
أن نضعه في أماكننا الخاصّة، تلك التي لا يدخلها كثيرون.
أن نسمعه خفية، أو علناً، بحنين، أو بانزعاج.
أن نظلّ نعود إليه، لا لأنّنا اقتنعنا،
بل لأنّنا لا نزال نبحث.


وهو هناك.
في مكانٍ ما من ذاكرتنا، لا يطلب منّا شيئاً…
فقط يستمرّ في العزف.