عـن إعــلام عـدّ الأرقــام ولـوم من لا يكتفــي بهـــا

عـن إعــلام عـدّ الأرقــام ولـوم من لا يكتفــي بهـــا

في الفترة الأخيرة، لم يعد النقاش في لبنان يدور حول الحرب نفسها بقدر ما يدور حول كيفية الحديث عنها. فبعض صُنّاع الرأي — من إعلاميين ومنصّات وشخصيات عامة — يفضّلون “اختيار معاركهم” أي التهدئة في الخطاب، التركيز على النتائج والضحايا، وتجنّب الغوص في الأسباب المباشرة لما يحدث.

يُقدَّم هذا الخيار على أنه حكمة أو مسؤولية، لكنه في الواقع يعيد صياغة النقاش بطريقة تُفرغه من مضمونه. فلا تعود المشكلة في الحرب نفسها أو في من يقرّرها، بل في كيفية توصيفها. ويصبح ربط الأحداث ببداياتها مسألة حسّاسة يُفضّل تجاوزها، وتسمية الأمور بأسمائها انزلاق يجب تفاديه.

بهذا المعنى، لا يُعاد فقط توجيه النقاش، بل يُعاد رسم حدوده أيضًا:

ما يُقـــال، وما لا يُقـــال، وما يجـــب أن يبقــى خـارج الصـــورة.

المفارقة أن معظم عرّابي هذا الطرح، الذي يدعو إلى “العودة إلى اللحظة الأولى” لنقد حزب الله، لم يكونوا يومًا جزءًا من تلك اللحظة، ولا من أي لحظة تلتها. فغالبيتهم اختاروا، منذ سنوات، مقاربة مختلفة تقوم على التركيز الحصري على النتائج بين عدد الضحايا، وصور الدمار، وحملات الإغاثة، ومطابخ الطعام.

لا شك أن هذا البعد الإنساني أساسي وضروري، لكنه لا يكفي. لأن الاكتفاء به، وتحويله إلى الإطار الوحيد للنقاش، يعني عمليًا إزاحة السؤال الأهم:

مــن يقــــرّر هــذه الحــروب، ولمــاذا تتكـــــرر؟

وهنا يصبح الخطاب الإنساني، من حيث لا يقصد، بديلاً عن المساءلة، لا مكمّلًا لها.

هكذا، تتحوّل الحرب إلى حدث معلّق، بلا بداية واضحة، وبلا مسؤولية محددة. تُروى ككارثة إنسانية، لا كقرار سياسي. وهذا بالضبط ما يسمح بتكرارها.

المفارقة أن هذا الخطاب، الذي يحذّر من “انزلاقات” نقد حزب الله، ينزلق إلى إعادة إنتاج نفس العمى السياسي الذي سمح للحزب بأن يراكم سلطته منذ البداية. فحين يُفصل نقد الحزب عن مساءلة قراراته العسكرية، وحين يُساوى بين رفض الحرب وبين التماهي مع العدو، يصبح النقاش محكومًا بسقف منخفض، لا يقترب من جوهر المشكلة.

ما يُطلب اليوم فعلياً هو تثبيت إطار مبني على ثلاثية مجيدة:

إدانــــة الخـــارج،

التحفّـــظ في الداخـــل،

وتجنّـب أي ربط مباشر بين الفعـــل والنتيجــة.

الوقائع التي تراكمت خلال العقدين الماضيين لا تترك مجالًا كبيرًا للالتباس. من حرب 2006 إلى التدخل في سوريا، إلى فتح الجبهات المتكرر، كان حزب الله يتصرف كفاعل إقليمي أولًا، وكقوة لبنانية ثانيًا. هذا الترتيب لم يتغيّر، حتى حين تغيّرت موازين القوى. ما تغيّر فقط هو حجم الكلفة التي يدفعها لبنان.

في المقابل، لم يكن بعض الإعلام — ولا جزء من الطبقة السياسية — خارج هذا المسار. فالإصرار على تقديم الحروب كـ”عدوان” منفصل عن سياقه، والامتناع عن ربطها بقرار داخلي واضح، لم يكن مجرد خيار مهني، بل موقف سياسي ضمني.

موقف ساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تخفيف الضغط عن الفاعل، وفي تحويل النقاش إلى مساحة أخلاقية عامة، لا إلى مساءلة فعلية.

ليس المطلوب تبرير العنف، ولا التماهي مع أي مشروع خارجي. لكن أيضًا، ليس مقبولاً أن يُطلب من اللبنانيين أن يكتفوا بإدانة النتائج، وأن يمتنعوا عن تسمية من يقرّرها.

المشكلة اليوم ليست في أن النقد أصبح قاسيًا أو واسعاً، بل في أن الواقع نفسه أصبح أكثر قسوة. فحين تتكرر الحروب، وتتكرر نتائجها، يصبح أي فصل بين السبب والنتيجة نوعًا من التواطؤ غير المباشر.

أن الحرب في لبنان لم تكن يوماً قدراً. كانت دائما قراراً. قراراً يُتّخذ في مكان محدد، من طرف محدد، ويُفرض على بلد كامل. وهذا ما يجب العودة إليه والانطلاق منه.

أما دعوة “العودة إلى اللحظة الأولى”، فإن كانت تعني التمثل بمقاربات أصحاب النظرية، فربما الأفضل عدم العودة إليها أبداً.

لأن لحظة هؤلاء لم تكن يوماً لحظة نقد، بل لحظة اختيار معارك، وعدّ أرقام، والاكتفاء بصورة إنسانية منزوعة من سياقها. والأوضح أنهم، في الواقع، لم يغادروا تلك اللحظة يوماً.

لا بــأس. ربمـا يخـرجون منهـا

يومــــــــــــــاً مـــــــــــــــــــا.

ربمـا فــي حـرب حـزب الله الجديــدة

فـــــي العــــــــــام المقبـــــــــــــل.