2 Apr 2026
Like this post
عندما اهتز الزجاج تحت وطأة الانفجار، لم نكن نبحث عن الحقيقة في شاشات التلفاز، بل كنا نبحث عنها في ملامح بعضنا البعض. فقد تعلمنا أن الحقيقة لا تأتي من المذيعين، بل من تلك الرجفة التي تسكن صدورنا قبل أن يصل الصوت إلى مسامعنا. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان الغبار لا يزال عالقاً في هواء الغرفة، كان همّنا الجماعي هو حماية ذلك الخيط الرفيع من السكينة الذي يربطنا بالحياة. ركضنا نحو جهاز التحكم، ولم يكن دافعنا هو الفضول لمعرفة “من” أو “أين”، بل كان دافعنا هو الرعب من ذلك الوميض الأحمر الذي يوشك أن يقتحم خلوتنا. ضغطنا على زر “كتم الصوت” (Mute) وكأننا نغلق نافذة في وجه عاصفة رملية، مصمّمين أن نعيش ألمنا بصمت على أن نسمعه مترجماً إلى لغة باردة لا تشبهنا.
نشعر بخوفٍ عضوي ينهش أجسادنا في كل مرة نرى فيها ذلك المستطيل الأحمر أسفل الشاشة. لم يعد الأمر يتعلق بجودة التغطية أو نزاهة القناة؛ بل يتعلق بقدرتنا على التحمل كبشر. الخبر في عالمنا لم يعد معلومة، بل أصبح صدمة كهربائية متكررة تستهدف جهازنا العصبي قبل أن تصل إلى عقولنا. عندما تقع الواقعة، لا تبدو الشاشة كمنصة لنقل المعرفة، بل كعدسة مكبرة تركز أشعة الشمس على جرحٍ مفتوح في أرواحنا. نراقبُ تلك الوجوه التي تطلّ ببدلاتها الأنيقة، ونتساءل: كيف يمكنهم ترتيب ربطات أعناقهم بينما العالم خلفهم يتداعى؟ خوفنا ليس من الحقيقة، بل من “تسييل” هذه الحقيقة وتحويلها إلى مادة يومية للاستهلاك، حيث يصبح وجعنا مجرد فاصل إعلاني بين خبرين.
أدركنا أننا لا نهرب من الواقع، بل نهرب من “ثقل” السردية التي تفرضه علينا الأخبار. الخبر يطالبنا بوعيٍ مستمر، والوعي في حالة الحرب هو ضريبة باهظة تُدفع من مخزون صحتنا العقلية. عندما نختار “كتم الصوت”، نحن لا نمارس الجهل، بل نمارس حقاً أصيلاً في “تأميم” هدوئنا الخاص. نحن نرفض أن نكون متلقين سلبيين لمأساة يتم قولبتها لخدمة صراعات لا نملك فيها ناقة ولا جمل. الحقيقة التي تهمنا هي تلك التي نلمسها بأيدينا: سلامة من نحب، ورائحة القهوة التي نحاول أن نستمتع بها قبل أن يسرقها خبرٌ عاجل آخر.
ثمة شعور بالاستنزاف يرافق كل محاولة لمتابعة ما يحدث حولنا. الشاشات تصرّ على وضعنا في زاوية ضيقة، وتطالبنا بأن نختار لوناً من لونين، وخندقاً من خندقين. هذا الإصرار على الثنائيات يقتل في داخلنا القدرة على أن نكون بشراً “متعددي الأبعاد”. يخبرنا المحللون أن “السلام” هو توازن للقوى، لكن السلام الذي نعرفه نحن هو تلك اللحظة التي يتوقف فيها طنين الطائرات المسيّرة فوق رؤوسنا، أو تلك الدقائق التي تغيب فيها أصوت تكبيرات التحذير والتهديد والوعيد وتتركنا للصمت المقدس. الأخبار تتحدث عن “الاستراتيجيات الكبرى”، بينما استراتيجيتنا الكبرى هي كيف نقنع أنفسنا أن اليوم هو يوم عادي على الرغم من كل هذا الجنون.
هذا الزيف في تناول قضايانا الإنسانية هو ما يجعلنا نخشى التلفاز. يتم اختزال مدننا في إحصائيات، وأرواحنا في أرقام، وبيوتنا في “أهداف”. نشعر أن كرامتنا الشخصية تُنتهك عندما يتم تحويل دموع جيراننا إلى “تريند” عابر على وسائل التواصل الاجتماعي. حقنا في “كتم الصوت” هو في جوهره احتجاجٌ صامت على تجريدنا من إنسانيتنا تحت مسمى “التغطية الشاملة”. نحن لا نريد تغطية شاملة؛ نريد فقط أن نُترك لحزننا من دون أن يتم تصنيفه أو تأطيره سياسياً ليناسب رغبات الممولين أو أصحاب النفوذ.
النقطة الأكثر رعباً في متابعتنا للأخبار هي ما تفعله في نظرتنا للمستقبل. لقد أصبحنا، بفعل هذه الشاشات، نخاف من شروق الشمس. في أي مكان آخر من العالم، كلمة “غداً” هي وعدٌ بفرصة جديدة، أما في عالمنا، فكلمة “غداً” هي اسمٌ مستعار لكارثة مؤجلة. لقد تمت برمجتنا نفسياً على أن “اليوم هو الأيام الخوالي الجميلة”. فكروا في عمق هذه المأساة: نحن نعيش في قلب الأزمة، ونعاني من نقص كل شيء، ومع ذلك، عندما نرى الغروب، نقول في أنفسنا “الحمد لله، لقد مرّ اليوم بسلام”، لأن يقيننا الذي استقيناه من الأخبار والتجارب يخبرنا أن الغد سيكون حتماً أكثر قسوة.
نحن نعيش حالة من “الحنين المسبق” للحاضر. نتعلّق بخرابنا الحالي لأننا نخشى “تحديثات” الدمار الآتية. عندما تنقل الأخبار خبراً عن “هدوء مرتقب”، لا نشعر بالراحة، بل يشعر جسدنا بتوجسٍ عميق. نتساءل: “ما الذي يطبخونه لنا في الخفاء؟ وما هو الثمن الذي سنرفعه غداً مقابل هذا الصمت المؤقت؟”. لقد كسر “الغد” وعوده لنا مرات لا تحصى، حتى أصبحنا نرى في الاستقرار عدواً يمهد لانفجار أضخم. الأخبار لا تقدم معلومات، بل تقدم “نبوءات سلبية” تبرمج عقولنا على انتظار الضربة التالية، مما يجعل “الآن” — بكل بؤسه — هو المساحة الوحيدة التي نشعر فيها بالأمان النسبي.
نحن ندفع ثمنًا باهظًا لكل معلومة تصل إلينا، فالمعرفة في مدننا لم تعد تفتح آفاقًا، بل تزيد من سماكة الجدران حولنا. يتحدث الجميع في المحافل عن “الحق في الوصول إلى المعلومة” كأنه تذكرة للحرية، لكن أحدًا لم يجرؤ على الحديث عن حقنا الأصيل في الهروب منها. نحن في مقتبل العمر، لكننا نحمل في ذاكرتنا أرشيفًا من الجنازات والدمار يفوق ما يحمله المسنون في أي بقعة مستقرة على هذا الكوكب. الشاشات لا تضخ حقائق، بل تضخ جرعات مركزة من القلق تجري في عروقنا كبديل عن الدم، محولةً أجسادنا إلى مختبرات حية لاختبار قدرة الإنسان على تحمل الرعب المستمر.
الحقيقة بالنسبة لنا لا تكمن في قدرتنا على تفكيك المشهد السياسي المعقد أو تحليل توازنات القوى التي يلوكها المحللون، بل في تلك اللحظة التي نشعر فيها بـ”قرف” وجودي أمام شاشة تحول جثث جيراننا وأنقاض بيوتنا إلى مادة ترفيهية ملونة، مغلّفة بموسيقى تصويرية مثيرة. نحن نرفض أن تكون عقولنا مجرد حاويات لنفايات “الأخبار العاجلة” التي لا تتوقف، كما التحليلات التي تليها. المعرفة هنا لا تعني القدرة على التغيير أو الفعل، بل تعني فقط إدراك حجم العجز الذي نغرق فيه بوضوحٍ مؤلم. فما نفع أن نكون “مطلعين” على كل شاردة وواردة، ونحن لا نملك قراراً حتى في أبسط تفاصيل يومنا؟ الاطلاع في حالتنا هو مجرد وسيلة لتعميق الإحساس بالشلل، وتحويل حياتنا إلى سلسلة من الانتظارات المرهقة لـ”خبر” لن يحمل معه سوى خيبة جديدة.
سنجلس الليلة في هذا الظلام، بعيداً من صخب الشاشات، وسنستمتع بصوت السكون. سنراقب السكون الذي يلف غرفتنا، ونحاول أن نقنع أنفسنا أن هذا الهدوء هو حقيقة وليس مجرد فاصل بين انفجارين. نحن نختار أن نعيش “الآن” بكل تفاصيله الصغيرة، بعيداً من “الغد” الذي تحاول الأخبار أن ترهبنا به. ففي وطن أصبح فيه المستقبل عدواً، يصبح الحفاظ على “سلامة عقولنا” هو أعظم إنجاز يمكن لنا أن نحققه. أخرسوا الأخبار، لعلنا نتمكن من سماع نبضات قلوبنا مجدداً، ولعلنا نتمكن من رؤية وجوه بعضنا البعض من دون أن نبحث فيها عن آثار الكارثة الآتية. اليوم، وفي هذه اللحظة من الصمت، نحن نملك زمام أمرنا، وهذا هو النصر الوحيد المتبقي لنا.