8 May 2026
Like this post
في زمن السوشيل ميديا، لم يعد الصوت الأعلى مجرد ضجيج عابر، بل تحوّل إلى أداة نفوذ كاملة. تتساوى فيه الكلمة السريعة مع الفكرة العميقة، بل كثيرًا ما تتفوّق عليها، لأن ما يُقاس اليوم ليس عمق الفكرة، بل قابليتها للانتشار. هكذا، لم تعد المنابر تفرّق بين صمت الحكمة وصخب السطحية، بل صارت تكافئ ما يثير لا ما يفسّر، وتروّج لما يُشعل الانفعال أكثر ممّا يُنضج الفهم.
في هذا المناخ، لا تزدهر الشعبوية صدفة، بل كنتاج طبيعي لبيئة تُفضّل الاختزال على التعقيد. فالشعبوية، في جوهرها، ليست برنامجًا سياسيًا بقدر ما هي أسلوب في الخطاب: تبسيط مُخلّ لقضايا مركّبة، واستدعاء دائم لمشاعر الغضب والقلق، وتقديم حلول فورية تبدو حاسمة، لكنها غالبًا سطحية. الشعبوي لا يسعى لتفسير الواقع بقدر ما يعمل على إعادة صياغته ضمن سردية ثنائية مريحة: “شعب نقي” في مواجهة “نخبة فاسدة”، و“نحن” في مواجهة “هم”. بهذه الثنائية، يُختزل العالم، وتُلغى المساحات الرمادية التي يعيش فيها الفهم الحقيقي.
لكن الخطورة لا تكمن في هذا التقسيم وحده، بل في ما يترتّب عليه. حين يتحوّل الاختلاف إلى اتهام، والنقد إلى خيانة، تُغلَق مساحات النقاش، ويُستبدل الحوار بالتعبئة. وحين تُطرح القضايا المعقّدة في صورة شعارات مختصرة، يُسلَب المتلقي حقّه في الفهم، ويُدفَع دفعًا نحو تبنّي مواقف جاهزة. هنا، لا يعود الهدف إقناع العقل، بل كسب الولاء.
ولعلّ ما يعزّز هذه الظاهرة هو طبيعة المنصات الرقمية نفسها. فخوارزميات الانتشار لا تكافئ الأكثر دقة، بل الأكثر إثارة. المحتوى الذي يحرّك الغضب أو الصدمة يحظى بفرص أكبر في الوصول، بينما يُهمَّش الخطاب المتزن الذي يتطلب وقتًا وتأملًا. ومع تكرار هذا النمط، يتشكّل وعي جمعي سريع الانفعال، ضعيف الصبر على التحليل، ومهيّأ لتلقّي الرسائل المبسّطة دون مساءلة.
المشكلة هنا ليست في الغضب ذاته، فهو، في كثير من الأحيان، ردّ فعل طبيعي على اختلالات حقيقية، بل في كيفية توظيفه. حين يُستخدم الغضب كوقود لإغلاق باب التفكير، تتحوّل السياسة إلى ساحة استثارة مستمرة، لا إلى مجال لصناعة القرار. وحين تُقدَّم الحلول السريعة كبدائل للمعالجة العميقة، يصبح الواقع أكثر تعقيدًا، لا أقل.
الشعبوية، بهذا المعنى، لا تطلب من جمهورها أن يعرف، بل أن يشعر. وهي تُتقن مخاطبة الغرائز أكثر ممّا تُجيد إقناع العقول. تمنح متلقيها إحساسًا فوريًا بالوضوح والانتصار، لكنها تؤجّل كلفة الحقيقة إلى لحظة لاحقة، غالبًا ما تكون أكثر قسوة. ومع الوقت، يتآكل الحسّ النقدي، وتُختزل السياسة في ردود فعل آنية، لا في رؤى طويلة المدى.
في المقابل، لا يعني نقد الشعبوية رفض الخطاب الجماهيري أو التقليل من أهمية تبسيط الأفكار. الفارق الحقيقي يكمن بين تبسيط يفتح باب الفهم، وتبسيط يلغي التعقيد. بين خطاب يوسّع مدارك المتلقي، وآخر يحصره في زاوية ضيقة من الإدراك. فالمشكلة ليست في الوصول إلى الجمهور، بل في الكيفية التي يتم بها هذا الوصول.
في النهاية، يبقى التحدّي فرديًا بقدر ما هو جماعي. في زمن يتكاثر فيه الضجيج، تصبح القدرة على التمييز مهارة أساسية: أن نسأل عمّا وراء الشعار، وأن نُخضع العاطفة لاختبار العقل، وأن نُدرك أن كل خطاب مرتفع ليس بالضرورة صادقًا، وأن كل فكرة هادئة ليست بالضرورة ضعيفة.
فالضجيج قد يربح جولة، لكنه لا يبني موقفًا. أما العقل، وإن بدا أبطأ، فهو وحده القادر على رسم اتجاهٍ لا يضل الطريق.