28 May 2026
Like this post
أطلق بعض صحافيو حزب الله حملة “بدولار واحد” لملاحقة المطبّعين قانونياً، وهذه الحملة حتى لو قُدِّمت تحت عنوان المقاومة المجتمعية أو مواجهة التطبيع، تطرح مشكلة أعمق بكثير تتعلّق بتحويل الناس إلى رقباء على بعضهم البعض، وربط الوطنية بمراقبة السلوك الفردي والتبليغ عنه. فحين تصبح فكرة “الإخبار” مشروعاً جماعياً منظّماً، ينتقل المجتمع تدريجياً من مساحة حرية واختلاف إلى مساحة خوف واتهام دائم، حيث يشعر كل شخص أنه مراقَب في خياراته وآرائه وتحركاته.
المشكلة أيضاً أن هذا النوع من الحملات يفرض وجود سلطة أخلاقية مطلقة تحدد للناس ما هو المقبول وما هو المرفوض، ومن هو الوطني ومن هو الخائن، بينما المجتمعات الطبيعية تُبنى على القانون الواضح والمؤسسات، لا على حملات شعبية مفتوحة قد تتحول بسهولة إلى تشهير وتحريض ومحاكمات جماعية على وسائل التواصل
على هذا الفريق الاقتناع بأن أسلوب الحظر بات مستحيل التطبيق في هذا العصر. فالعالم كلّه متصل ببعضه وما يُحظر في السينما يُشاهد عبر المنصات ومن يُمنع من التواصل٬ يتحدث عبر تطبيقات التعارف وما من أحد يمكنه منع ذلك.
الناس تستخدم خدمات ومنتجات ومنصات لا تعرف حتى مصادرها أو شبكات ارتباطها الاقتصادية والسياسية. لذلك، يتحول مفهوم التطبيع في هذه الحملات إلى مفهوم فضفاض يمكن توسيعه بلا حدود، إلى درجة يصبح فيها أي شخص عرضة للاتهام وفق المزاج أو التفسير السياسي.
الأخطر أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل هذه الحملات أقرب إلى محاكم رقمية، حيث يكفي منشور أو صورة أو إشاعة لإطلاق موجة تحريض علنية ضد شخص ما، قبل أي تحقيق أو إثبات. وهنا يصبح التشهير أداة ضغط اجتماعي، لا وسيلة قانونية حقيقية، ما يخلق مناخاً من الترهيب المعنوي، ويدفع الناس إلى ممارسة الرقابة على أنفسهم خوفاً من الهجوم أو التخوين.
أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تُدار عبر المنع والملاحقة الأخلاقية المستمرة، بل عبر بناء وعي حقيقي، وقوانين عادلة، ودولة قادرة على فرض سياساتها بشكل واضح ومتوازن. أما تحويل كل فرد إلى مخبر محتمل، فهو يفتح الباب أمام الانقسامات والكيديات والاستغلال السياسي أكثر مما يقدّم حلولاً فعلية.