بيروت – نادي الغرق الجماعي

بيروت – نادي الغرق الجماعي

لنتخيل، فقط لثوانٍ، أنّ الفيلسوف هيغل يعود إلى الحياة ويُجبر على مشاهدة الانتخابات البلدية في بيروت. ماذا سيقول؟ ربّما سيظن أنّ روح العالم، التي لطالما تحدّث عنها، قد تحوّلت إلى سمكة ميّتة طافية على نهر ميّت بدوره، تُدار من قبل شبكة من الجرذان المتصالحة على الجثة. نعم، هذا بالضبط ما يحدث. كلّ أعداء الأمس، من الطوائف المختلفة، من المذاهب المتناحرة، من الخطابات المتعادية التي تلعن بعضها في النهار وتتحالف ليلًا في السرير السياسي… اجتمعوا.

وكأننا نشاهد نهاية فيلم Fight Club، لكن بدلاً من أن تنهار البنوك، تنهار القدرة على التصديق. والمشهد ليس مجرد تحالف انتخابي، إنه إعلان رسمي عن موت التناقضات.

في كتابه “العيش في نهاية الزمن”، يتحدث الفيلسوف جيجيك عن نهاية العالم ليس كحدث كارثي، بل كاستمرار للحياة بعد أن يفقد العالم معناه. هذه هي تماماً بيروت اليوم: مدينة مستمرة بلا أي منطق. بلدية تُنتخب من لائحة واحدة تُمثّل الجميع، أي أنها لا تُمثّل أحداً، وهي بالتالي السلطة النقية: تلك التي لا تحتاج إلى تبرير وجودها سوى بكونها موجودة.

العدوّ الذي لا يموت: الشعب

الخطير في هذا التحالف ليس فقط توحّد السلطة، بل الغياب التام لأي “تخييل” بديل. المواطن لم يعد يواجه مشروعاً سياسياً مناقضاً، بل يواجه نفسه، عارياً، في مرآة مكسورة. ماذا ستختار حين تكون كل الخيارات نسخة عن الكابوس نفسه؟

إنَّ توحُّد خصوم الأمس اليوم، هو نكتة سوداء، لكنها نكتة لا نضحك منها، بل نضحك فيها. ضحكٌ يشبه الضحك في جنازة: ضحك هستيري، مريب؛ مضحك لأنه حقيقي أكثر مما يجب.

كلهم في لائحة واحدة! هل نحتاج إلى دليل أوضح أن الصراع بينهم لم يكن سوى تمثيل؟ حلبة مصارعة حرة WWE، نعرف أن الضربات مزيفة، لكن الجمهور يحب الدراما.

اليوم، سقط القناع. لا مصارعة، لا دراما، فقط إعلان بارد: نحن جميعاً في المركب نفسه. لقد غرق، والآن نقتسم الغنائم.

من بيروت إلى اللا مستقبل

بُني النظام اللبناني على فكرة التوازن بين الوحوش. لا أحد ينتصر، ولا أحد يُقصى. كل شيء يُعاد تدويره: الفساد، الزعماء، الوعود، حتى الجوع. ولأن كل شيء يعاد تدويره، فمن الطبيعي أن يُعاد تدوير العداء نفسه، إلى تحالف.

وها نحن أمام أعجوبة سياسية: عدو الأمس صار حليف اليوم لأن اللعبة أوشكت على نهايتها. إنها لحظة دقيقة في مرحلة ما قبل الانهيار، تتحول كل القوى السياسية إلى كائنات متماثلة، تسعى فقط لضمان مكانٍ لها على متن السفينة الغارقة.

والناس؟

هم الضجيج في الخلفية. شخصيات ثانوية في لعبة تصميمها مُمِلّ. هم الجمهور الذي يُلام على كل شيء، ويُطلب منه أن “ينتخب”، لا ليمثّل نفسه، بل ليمنح شرعية مؤقتة لعملية إعادة توزيع الغنائم.

الأمل الوحيد؟

ربما أو ربما لا.

ربما سنحتاج إلى أن تتفكك المدينة أكثر، أن تُصاب بالجنون أكثر، أن تحترق اكثر، أن تتحول الانتخابات إلى مراسيم جنائزية جماعية.

ربما فقط عندما تنهار الآلية تماماً، عندما لا يبقى من البلدية سوى الكرسي المهترئ، سيجرؤ أحدهم على تخيّل شيء جديد.

لكن حتى ذلك الحين، ها نحن أمام لائحة الوحدة الوطنية الكبرى.

لائحة اللامعنى.

لائحة الوحوش المتحدة تحت راية الكارثة.

بيروت لم تعد مدينة. بيروت الآن مزحة فلسفية، يُلقيها الشيطان على جمهورٍ لم يعد يضحك.

المواضيع