بداية 2025 لم تكن كما ظنّنا

بداية 2025 لم تكن كما ظنّنا

لقد هلّت سنة 2025 علينا متفائلة، فكانت الأحداث السياسية المطمئنة آن ذاك (إعلان وقف اطلاق النار، سقوط نظام بشار الأسد، رئيس جمهورية ومجلس وزراء واعدَين، قرار سحب سلاح حزب الله…) كشربة الماء بعد صيام طويل في صحراء الأحداث القاسية التي كانت تتالى في الـ6 سنين الأخيرة في لبنان.

وقد ساهمت شربة الماء لتموقعها في بداية السنة الجديدة تلك، في خلق واحة من الأمل بالتغيير. والأمل جزأ من الكينونة الإنسانية لا غير. الأمل مرآة مخاوف نريد إسكاتها. هو القلق من المستقبل ومحاولة الهرب من تكرار الماضي. وقد دفعتنا واحة الأمل تلك نحو التفاؤل المفرط. فقطعنا وعود تغيير شخصية على أنفسنا أكبر من الوعود المعتادة، مؤمنين -ككل سنة- أننا لن نخيب ظنّ أنفسنا هذه السنة بما أنّ أحوال البلاد “تتحسن”، أو كأن الحكومة الجديدة ستساعدنا على تحقيق أهدافنا، أو كأن تخييب الظن سينتهي هذه السنة -ككل سنة- بانتهاء العدّ التنازليّ في يوم عبثيّ أسميناه الآخر في السنة.

لذلك، ابتدأتُ سنتي الماضية بأهداف شخصية كبيرة واندفاع أكبر لتحقيق الكثير. لكن، بحجم أهدافي واندفاعي خذلت. فالسنة تلك خسرت ناسًا ما كنت أظن أنهم سيخرجون من حياتي يومًا، وكَسر آخرون خاطرًا أعطيتهم إياه مزهريات كريستالية ليحفظوه. خسرت أشياء كنت أتمنى أن أعيشها وقد استحالت الآن، وأحلام كنت أريد أن أحققها وتغيرت الأحوال. قُتلت مخططات كنت قد حددت خطواتها على الحجر فتبين أنه غبار بعثرته نسمات الأيام، وغُيرت طموحات وآمال ارتبطت بحياة ما عادت حياتي الآن، فتلك الحياة مرتبطة بشخص ما عدت أنا هو.

السنة الماضية كانت السنة التي كسرتني وسحقتني وجمعتني وبلّتني وجبلتني وأحرقتني لأقسى ومن ثم برّدتني، فأخسرتني نفسي وجردتني منها ومن كلّ ما كنته، لتحولني إلى أنًا ما تخيلت في الـ2024 أنني سأكونها اليوم. لقد صنعت مني أنًا أقوى وأشد وأرصن وألين وأهدأ. لذلك، وفعليًا، أنا لم أخيب ظنّ نفسي السنة الماضية -ككلّ سنة- لعدم تحقيقي حتى واحدًا من أهداف السنة الجديدة، لكن، الزمن والأحداث غير المتوقعة هم من خذلوني وخيبوا ظنّي.

وبذلك، قد علموني ألا أتمنى وألا أخطط لسنة جديدة. فالأيام البعيدة لا يُخطط لها في ظلّ جهل تطورات المستقبلية وعلى أساس يوم عبثي نقرر، من دون التشاور مع الحياة، أنه وقت التغيير. فالزمن هو من يخطط لنا كما يجب أن يُخطَط لا كما نرجوا، فيضعنا حين يجب أن نكون وحيث يريد لا حيث نرجو، فنتمخض في رحم الأيام، ونولد كما في ضرب من الجنون، فنكون كما يشاء أن نكون لا كما تمنينا.

لذلك أفتتح سنة 2026، ولأول أول سنة، من دون آمال ووعود بتغيير نفسي وأفعالي في السنة الآتية، أفتتحها برغبة استكمال كلّ ما ابتدأته في السنة الماضية والتزمت به، انطلاقًا من التمارين الرياضية، ذهابًا إلى التزامي المتزايد يوميًا بالكتابة والقراءة، مرورًا بمحاولاتي المستمرة لاحتضان نفسي وللالتزام باللطف معها ومع أنا الصغيرة التي لم تعد، كما في الماضي، مختبئة من ومض الحياة في زاوية معتمة من الغرفة التي تسكنها في قلبي، وصولًا إلى العمل المستمرّ على إذابة كلّ جليد الغضب والكره النابع من الخوف، واعتناق الحب دينًا فوق كلّ الأديان، دائمًا وأبدًا ومهما حدث.

إنّ الحياة لا تبدأ أو تنتهي في تاريخ معين، بل تستمرّ على الرغم من كلّ التواريخ والأرقام والأحداث. والتغير لا يبدأ عند تبديل رقم على الرزنامة أو بوقت معيّن، بل يبدأ في لحظة عبثية من الأيام، لا قرار لنا بها، يعرف الزمن فيها أنك أصبحت جاهزًا للارتقاء. أما التغيير فيحدث مع تتابع الأيام واستمرار العادات السليمة وخلق غيرها حين يسمح لك الزمن لا فجائيًا كما نرجوا ونتمنى. لذلك، لم أخطط السنة لأي التزام جديد أو تغيير، بل لهفت لاستمرار النضال ومحاولة حب الأيام والناس ونفسي، على الرغم من الأيام والناس ونفسي.
                                                 
لقد انتهى العام 2025، من دون إصلاحات جذرية قامت بها الحكومة الجديدة في البلاد، رغم شربة الماء، فأردت أن أكتب مقال رأي يتناول الموضوع، فوجدت نفسي عوضًا عن ذلك أكتب مقالاً ذاتيًا…
أو ربما كان مقال رأي…