18 Mar 2026
Like this post
في عام 1975 ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كتبَ واحد من أبرز المثقفين السوريين وهو ياسين الحافظ ما يلي: “شعرت عندما أخذ لبنان يحترق بفاجعة مزدوجة، أحسست أنْ ليس وطني هو الذي يحترق، بل بيتي أيضاً، وأنّ فاجعة لبنان كانت مجانيّة. كثيرة هي الأسباب الأصليّة والمباشرة التي دفعت إلى إحراق لبنان، لكنْ يخيّل إليّ أنّه لقي هذا المصير لأنّه نافذة للديمقراطيّة، مهما بدت مثلومة وملوّثة”.
وفي عام 1982 وفي الأيام الأولى للاجتياح الإسرائيلي، عَنوَنت جريدة “السفير” اللبنانية صفحتها الأولى بمانشيت شهير يقول: “بيروت تحترق ولا ترفع الراية البيضاء”.
احتراق بيروت ولبنان هو نقطة التقاطع بين كلام الحافظ ومانشيت الجريدة المذكورة (التي كان الحافظ واحداً من كتّابها بالمناسبة)، رغم صدوره عن موقعين متعارضين. فالحافظ، الذي كانت قضية فلسطين شاغلةً له، كان مدافعاً أيضاً ودوماً عن لبنان وعن نموذجه، وعن ضرورة الحفاظ عليه وسط نماذج عربية محيطة، طاردة للحرية وللديمقراطية، فيما جاء كلام “السفير” هنا “انتصاراً” لبيروت التي تحترق، أو احتفاءً بالاحتراق الذي تنبعث من رماده “رايات النصر الظافرة”. فإذا ما أضفنا أنّ حرب 1975 كانت حرباً داخلية أساساً بين لبنانيين ولبنانيين، وبين لبنانيين وفلسطينيين، مع حضور قوى خارجية داعمة لهذا الطرف أو ذاك، وبأن حرب 1982 كانت حرباً مع عدو خارجي، بات تدمير لبنان وإحراقه نتيجة “حتمية” لتضافر قوى الخارج والداخل معاً. احتراق لبنان قد يكون مبعث أسىً لدى البعض، كما قد يكون مبعث “انتصارات” خلّبية شعاراتية لدى آخرين.
كانت بيروت محطة أساسية من محطات ياسين الحافظ، الذي عاد إليها من باريس ليستقر ثم ليموت فيها عام 1978، كما كانت محطة أساسية لكثيرين من المثقفين السوريين. وبعد الاجتياح الاسرائيلي غادرها صادق جلال العظم وأدونيس وكثيرون غيرهم؛ أما في عام 1984 فقد غادرها مثقف سوري كبير آخر هو جورج طرابيشي، بعد أن تعِبَ وضاق بالاقتتال الأهلي وبالحرب بين أبناء البلد الواحد، ليستقر في فرنسا، وليكمل مشروعه الفكري هناك، حيث كتب كتباً وأوراقاً تتناول فكرة الانتصار والهزيمة في الثقافَتين السياسية والشعبية العربيتَين، وبما يتيح ويُشرْعِن استحضاره اليوم مع الحرب الحالية التي طالت لبنان لتحرقه من جديد.
في كتابه “المرض بالغرب- التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي”، يعتبر طرابيشي أن المنطقة العربية شهدت محطات أساسية ومعارك عسكرية كان من شأنها أن توقظها من سباتها، وهو يُمحوِر بحثه في الكتاب حول محطتين رئيسيتين: حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، وهزيمة حزيران عام 1967. الأولى، من خلال كونها “صدمة اللقاء مع الغرب الذي انتصر على العرب عسكرياً في تلك الحملة، بعد أن انتصر عليهم حضارياً”، والثانية باعتبارها “صدمة” ثانية استحالت “رضّةً” أعلنت هزيمة مشروع بأكمله، وقَتلت الأب المؤَمْثَل لذلك المشروع و”للجماهير العربية” المتعلقة به: جمال عبد الناصر.
ويميز طرابيشي تبعاً للحدثين الكبيرين بين الخطاب العربي الحديث الذي كانت نتيجة للصدمة البونابرتية، وبين الخطاب العربي المعاصر الذي كان نتيجة للرضة الحزيرانية. علّة المقارنة هي دويّ المدافع في الحالتين، مع فوارق كثيرة بينهما، وتقاطع واضح من حيث تأثيرهما الكبير.
تلت الهزيمة المدوية في حزيران محاولات كثيرة للتخفيف من وَقع ما حصل والتقليل من شأنه، مثل رفع شعار “تصفية آثار العدوان” أو وَصْف الهزيمة بـ “النكسة” في كثير من الكتابات والخطابات التي تتحدث عن نصر حتمي قادم على تلك “الجنّية الصغيرة”، إسرائيل، التي دكّت في ستة أيام ثلاثة جيوش عربية وهزمتها واستولت على أراضٍ واسعة من بلدانها، ثم الحديث المُضلّل عن “النصر” في أوكتوبر 1973، وغيرها من شعارات فارغة كانت تحميل طابعاً تخديرياً يحاول اعتبار الزلزال الذي حصل.. مرحلة عابرة في صراع مستمر وأبدي.
هنا، يعتبر المفكر السوري أن ثمة أسباباً تقف وراء اعتبار ما حصل “رضّة” بالمعنى النفسي الجمعي العربي، من بينها أنها “كانت غير متوقعة، وغير قابلة للتغطية كآلية دفاع عن ذات نرجسية، بل كانت طعنة صمّاء للمثال الأنوي العربي، وأيضاً نظراً لكونها كانت هزيمة غير قابلة للتصريف وإلى ما بعد عقود من وقوعها”.
وبعيداً عن الاستفاضة في الشرح والتعليق على الأسباب السابقة، تبرز ثقافة الإنكار والوعي الانتصاروي الزائف المُنجدل مع نرجسية عربية واضحة، خصوصاً أن مسلسل الهزائم بدأ قبلها واستمر حتى اليوم، وبذات الآليات في التعامل معه. فحرب السويس 1956 كانت حرباً ضارية أوشكت على الإطاحة بعبد الناصر ونظامه لولا تدخل الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور آنئذٍ، فكان أن تحول عبد الناصر في الوجدان العربي وبفعل تلك الحرب إلى “بطل منتصر”، مُلهم ومُلهِب لمشاعر “الجماهير” العربية المتيّمة به. وفي 1967 كان هو الزعيم الوحيد الذي تخرج “الجماهير” عينها مطالبة إياه بالعودة عن استقالته بعد أن قادها إلى الهزيمة.. وفي 1982 “لم ترفع بيروت الراية البيضاء” رغم احتراقها بحسب مانشيت “السفير” آنف الذكر.. ثم، ومع حرب الخليج الثانية، صار صدام حسين “بطلاً من أبطال الأمة” بعد الصواريخ عديمة التأثير التي أطلقها على إسرائيل.
أما لبنانياً، مرة ثانية، فكانت حرب تموز 2006 “انتصاراً” لـ “حزب الله” ومِن خلفه “سوريا الأسد” و”الجمهورية الإسلامية في إيران”، على أنقاض لبنان وفوق جثث لبنانيين قتلتهم تلك الحرب، ومثلها كانت حرب سبتمبر 2024، وهكذا دواليك..
تبدو الحرب الحالية التي أُدخل فيها لبنان عنوةً هي الأعنف في تاريخ حروب الحزب الخميني المُتَلبْنِن مع إسرائيل، على صعيد الكلفة البشرية الكبيرة والنزوح الكبير والخسائر الاقتصادية التي لن يتحملها بلد كان يعاني ما يعانيه قبل هذه الحرب. “الانتصار المنتظَر” هنا، وكما في كل مرة، هو انتصار للخمينيين، الذين سبق لهم وأن “انتصروا” أيضا على لبنان مع اجتياح 7 أيار 2008، ومن خلال العبوات الناسفة والمفخخات التي قتلوا بها، وبأوامر سورية وإيرانية، خيرة النخب الثقافية والاقتصادية والسياسية فيه. كان مقتل حسن نصر الله وهاشم صفي الدين وكثيرين من قيادات هذا الحزب انتصاراً حقيقياً لكثيرين، ومنهم كاتب هذه السطور، لكنه كان أيضاً “انتصاراً” لمشروع ولاية الفقيه من خلال “نيلهم الشهادة” خدمة لمشروع خارجي وعلى طريق “تعبيدهم الطريق لظهور المهدي” وغيرها من غيبيات. الإنكار، والنرجسية، والهزيمة الساحقة وغير المتوقعة لمحور إيران بعد عملية 7 أوكتوبر، وغير ذلك مما تحدث عنه طرابيشي.. تستحيل انتصارات مع نعيم قاسم وأمثاله. أما قتل الأب، عبد الناصر، بالمعنى الرمزي، والاستعاضة عنه بالتراث والعودة إلى الماضي والسلف كما حصل بعد عام 1967، فيقابله اليوم مقتل المرشد فيزيائياً، ومن دون الحاجة إلى عودةٍ للماضي وإلى نكوصٍ هما أمر واقع فعلاً، من خلال استحضار كربلاء والطفّ، وابن الزبير والمختار الثقفي وغيرهم..
هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ بالتأكيد، مع التسليم بصعوبة بقاء أي دولة في المنطقة بعيدةً عن تأثير نيران الحرب على إيران، وفي ظل حضور وعجرفةِ حكومة يمينية متطرفة ومجرمة مثل حكومة نتنياهو. إلا أن الأكلاف التي يدفعها لبنان اليوم كانت لتكون حتماً أقل بكثير لولا “الانتصارات” السابقة، وربما “الانتصارات” المقبلة، والتي يُؤمَل أن ينجلي ليلها الطويل قريباً..