6 Mar 2026
Like this post
اليوم تعود لي صورة ذلك العجوز النازح بعد نسياني له لـ15 شهرًا.
اليوم تعود لي ذاكرة من الماضي، وأنا واقفة أمام المدرسة الفندقية في طرابلس وأتساءل: كيف وجد الدجاج عند عودته؟
أراه يدخل القنّ على الأشلاء المتبقية منها.
أراه واقفًا مكسورًا أمام بقايا الجثث، أرى العظم والريش المتناثر في المكان، ودمعة تتدحرج من عينه اليمنى على خده، فتستقرّ على حدود فكه، مادةً يديها إلى الأرض محاولةً الوصول إليها لعلّها تحيي الجثث الميتة برويها. لكنه لا يسمح لها، فيمسحها، من ثم يشهق احتقان أنفه، ويقول عاضًا على شفتيه “الله بعوض”. ثم يتنهد، ويمضي إلى اللاشيء المتبقي له.
“الله بعوض، المهم الصحة”، أسمعه يقول لزوجته عندما يعود إلى السيارة.
أوهلّ بقي له من صحة بعد كلّ انكسار القلب الذي تعرض له؟
أوهل كان القنّ قائمًا أصلًا عندما عاد أم يا ترى قُصف؟
أوهل عاد مربي الدجاج أصلًا، أم يا ترى بقي مهجرًا بعيدًا من أرضه الحدودية؟
يعود العجوز اليوم إليّ حاضرًا بكل انكساره المكبوت في ثنايا تجاعيد وجهه المتضاعفة من 15 شهرًا حتى الآن ليسألني:
كم مرة يستطيع أن يعود المرء إلى رزقه ليجده قد فني؟
كم مرة يمكن له أن يبكي موت دجاجاته؟
كم مرة في حياته يستطيع أن ينتظر انهيار بيته واحتراق صور ذاكرته؟
كم مرة يستطيع إرسال حاضره إلى ماضيه؟
كم مرة يمكن للمرء أن يبني حلم العودة من دون أي مبشر بتوقيت تلك العودة؟
كم مرة يمكنه أن يَمشي، يهرول، يركض، يصعد، ينزل، يصرخ، ينبح، يعوي، ينادي، يولولُ، يُسرع، يبطئ، يهوي، يخف، يجف، يسير، يطير، يرى، لا يرى، يتعثَّر، يَصفرّ، يخضرّ، يزرقّ، ينشقّ، يجهش، يعطش، يتعب، يسغَب، يسقط، ينهض، يركض، ينسى، يرى، لا يرى، يتذكَّر، يسمع، يبصر، يهذي، يهَلْوِس، يهمس، يصرخ، لا يستطيع، يئنّ، يجنّ، يضلّ، يقِلّ، ويكثُرُ، يسقط، يعلو، يهبط، يدْمَى، ويغمى عليّه؟
كم مرة سيتعطش لرائحة حقول الزيتون قبل أن يهوي فوق إسمنت المدن الغريبة ويختفي غبارًا بين بلاطات أزقة بعيدة لا تشبهه؟
كم مرة يستطيع إعادة بناء نفسه وحاضره ومستقبله؟
فكم مرة يمكن للإنسان أن ينمحي قبل أن يختفي؟
وكم مرة يمكن لحياة الإنسان أن تبدأ وتنتهي؟
فبين آذار 1978 (عملية الليطاني)، وآذار 2026 (حرب الإسناد الثانية)، قد تبدأ هذه الحياة وتنتهي، فتمرّ بالاجتياح الإسرائيلي للبنان (حزيران 1982)، فتنتهي ثم تبدأ فتأتي عملية تصفية الحساب (تموز 1993) فتنتهي ثم تبدأ، فتلحقها عملية عناقيد الغضب (نيسان 1996)، فتنتهي ثم تبدأ في 25 نيسان سنة 2000.
من ثم يختطف حزب الله جنديين إسرئيليين، بادئًا حرب تموز 2006، فتنتهي ثم تبدأ، فيندفع الحزب لحرب الإسناد الأولى (تشرين 2023) فتنتهي ثم تبدأ، فيقرر الصهيونيّ شنّ حرب الـ66 يوماً (أيلول 2024)، فتنتهي وتبدأ كما تنتهي وتبدأ تحت ركام سقف يفترض أن يأويه من البرد والريح لا أن يفنيه.
كما قد تمضي هذه الحياة بتنقل من منزل إلى منزل، فلا يحمل معه الإنسان من واحد إلى الآخر إلا ركامًا سيبني عليه بيته الجديد، فيغرق هذا الركام تحت أحجار الأساس ليصبح جزأً لا يتجزأ من كيان الفرد، يذكّره باستمرار بالصدمات النفسية التي تعرّض لها، ويخلق له خوفًا مزمناً يتعايش معه.
وبحسب عالم النفس أبراهام ماسلو، المستويين الأولين من هرم الاحتياجات هما: أولًا الحاجات الفسيولوجية (كالغذاء، الماء، النوم…)، وثانيًا حاجات الأمان (الأمن، الاستقرار، الحماية…). أما عدم تلبية هذين المستويين الأساسيين، فيخلق عند الفرد حالة خوف يقرأها الدماغ على أنها خطر على بقائه على قيد الحياة. وقد حرم شيعة الجنوب والضاحية الجنوبية مرات عدة من هذه الاحتياجات جراء تكرار التهديد، والتهجير، والجوع، والقصف، والموت. مما خلق في أنفسهم توتراً وخوفاً عاليَي الحدّة، بسبب حالة تهديد دائم يرافقها شعور بعدم الأمان المستمر، وغياب اليقين بالمستقبل، وعجز عن تغيير الواقع.
إن هذه الحالة تُحدث تغيّرًا فيزيولوجيًا عصبيًا ناتجًا عن صدمات نفسية عالية الشدّة، تُفضي إلى اضطراب ما بعد الصدمة. فاضطراب ما بعد الصدمة، بحسب بيسل فان دير كولك، يحدث عندما يشعر المرء بخطرٍ شديد مع عجزٍ عن الهروب أو الدفاع عن النفس.
وبفعل هذا العجز، يقوم الجهاز العصبي بخلق دفاعات جديدة وقوية، أي إن الدماغ يكيّف استجابةً دائمةً تبقى مستعدة لاحتمال وقوع الخطر في أي لحظة، وللدفاع عن النفس منه. ويَقوى هذا التكيّف، كلما تكرّر الموقف الذي شعر فيه المرء بالعجز؛ هذا هو الخوف المزمن.
والإنسان الواقع في اضطراب ما بعد الصدمة – أو الخوف المزمن – يكون باحثًا عطِشًا عن الأمان، إذ يصبح الدماغ في حالة “محاولة نجاة دائمة”. إنّ الحاجة هذه تُميل الفرد إلى عشق اليقين الذي يخلق الأمان المبتغى.
وبالتالي، فإن أي مؤسسة قوية أو شخص يملك بكاريزما عالية قد يملأ فراغ الأمان هذا. لذلك، عندما حرّر حزب الله، ممثّلًا بأمينه العام حسن نصر الله، الجنوب في الـ2000 – إن كان ذلك قرارًا دوليًا أو لا – خلق لنفسه، في نظر المُحرَّرين، صورة المنقذ، هو وأمينه، الذي سيحميهم من الشرور كلّها. وقدّم نفسه بذلك، على أنه فقاعة أمان تضمن اليقين الذي هم بحاجة ماسّة إليه، وفرض حقيقةً جديدةً في أذهانهم، هي أن الحزب أقوى من الدولة اللبنانية التي “لم تستطع” تحرير الجنوب طوال ثمانية عشر عامًا، مؤمِّنًا بذلك أجزاءً من احتياجات المستويين الأول والثاني عبر إعادة الناس إلى أراضيهم.
وقد ساهم كونُ مبادئ حزب الله منطلِقةً من الأيديولوجيات الشيعية، التي يعتنقها أغلب أهل الجنوب المحرَّر، في ازدياد تعلّق هؤلاء به. إذ يميل الفرد الذي تعرّض لصدمات نفسية إلى عشق الأيديولوجيات لثباتها ورصانتها الفكرية، فيتعلّق أكثر بالمجتمع الذي يتبنّى أيديولوجياته لتشابهه معهم.
كما يصبح هذا الفرد أكثر عدوانية تجاه الأفكار المختلفة عنه ومن يعتنقها، لأن الدماغ يقرأ كلّ غريب على أنه خطر، ويزداد ذلك تحت تأثير الخوف المزمن. وعندما تكون هذه الأيديولوجيات دينية، أي “مدعومة من الله”، يتعزّز الإحساس بالقدرة على النجاة والأمان، إذ لا يعود الإنسان وحده مساند الإنسان، بل الله أيضًا.
وبالتالي، فحزب الله “أتى من الله” ليثبت مقدرته على نصرة أحفاد الحسين، وليثبت وجودهم في الدولة اللبنانية، لاعباً على سردية المظلومية الشيعية التاريخية ونصرة “المظلوم”، التي هي من أسس عقيدة الطائفة، مستثمراً بذلك إحساس الناس بالقلق الدائم، وحاجتهم إلى إسكات هذا القلق بأقرب ما لديهم: دينهم.
وقد عمل حزبُ الله، على مرّ السنوات اللاحقة، على تلبية احتياجات الشيعة في المستويات الأخرى التي تحدّث عنها أبراهام ماسلو، وهي ثلاثة:
• المستوى الثالث: الحاجات الاجتماعية (الحب، والصداقة، والانتماء إلى المجتمع…).
• المستوى الرابع: حاجات التقدير (احترام الذات، والإحساس بالإنجاز…).
• المستوى الخامس: حاجات تحقيق الذات (الإنجاز، والنمو…).
كان ذلك من خلال خلق مؤسساتٍ تُلبّي الحاجات الاجتماعية، أي المستوى الثالث (كما لبّت الأجزاء المتبقية من المستويين الأول والثاني من الاحتياجات)، مثل مؤسسة الشهيد، ومؤسسة الجرحى، ومؤسسة القرض الحسن، وجمعية الإمداد الخيرية، ومؤسسة جهاد البناء، إضافةً إلى المؤسسات التعليمية، حاضنًا بذلك كل التضحيات الشيعية، ومقدّمًا سقفَ تضامنٍ جامعٍ يحمي الطائفة ويحتويها.
وقد أسهم هذا السقف في خلق تماسكٍ حزبيّ اجتماعيّ دينيّ، صهَر الـ”أنا” في الـ”نحن” وقضية المقاومة، فأصبحت بذلك مصلحة الفرد متجذّرةً في مصلحة الجماعة؛ فيقاوم عندما تقاوم، ويتعذب عندما تتعذب، وينتصر عندما تنتصر، ويساعدها لتساعده بعدها… يومًا ما، ربما.
كما ساهم هذا الانصهار في تلبية حاجات المستوى الرابع والخامس، وذلك عندما سيطر الحزب سياسيًا وروّج للانتصارات الجماعية التي باتت تمثل تحقيقاً وانتصاراً للذات الفردية المنصهرة في الجماعة. وبذلك، يكون الحزب قد قدم للشيعة بيئة حاضنة تلبي كلّ احتياجاتهم وتعطيهم الأمان الذي يتلهفون إليه، فيصبحون هم أيضًا حاضنين له، لخوفهم من خسارة هذا الأمان.
غير أنّ حزبَ الله، رغم تغنّيه بمقاومة الكيان الصهيونيّ كهدف أسمى، لم يسعَ على مرّ السنين قتل الوحش المقلِق الأساسي هذا، لا بل لم يُرِد ذلك يومًا؛ فقتل الوحش، هو قتل لذرائع وجوده النفسية الاجتماعية أولًا قبل أن يكون ذلك دوليًا. فاستمرار الخطر يُبقي المجتمع الشيعي تحت وطأة التهديد الدائم والخوف المزمن، بما يضمن تعمّق تعلّقه بمنقذه.
وبذلك، وعلى الرغم من الأمان الصوريّ الذي أعطاه حزب الله للشيعة، فإنه لم يُسهم في تقليل اضطرابات ما بعد الصدمات أو من الخوف المستتر، لا بل عمل في تفاقمها بخطاباته التي تُشدّد على ضرورة الصراع والحرب المستمرّة، مغرقاً ناسه أكثر فأكثر في دوّامات تعلّق مرضيّة ناشئة عن الصدمات النفسية.
والصدمات النفسية، إن لم تُواجَه بشكلٍ سليم، وإن نُيّمت كما فعل الحزب، تنتقل من جيلٍ إلى آخر. ويتمّ ذلك إمّا عبر الوراثة اللاجينية التي تُورَّث وتؤثّر في ترجمة الجينات — أو من خلال العوامل البيولوجية في الرحم؛ فإذا كانت المرأة الحامل تحت تأثير الخوف والتأهّب الدائم، الناتج عن الصدمات النفسية، ترتفع لديها هرمونات القلق، ما يؤدّي إلى تغيّر تكوين الجنين العصبي، وقد يورّثه أنماط استجابة مرتبطة بالصدمة.
كما تساهم الآليات السلوكية للأهل أيضاً، في توريث الصدمات للطفل؛ فدماغه، حتى عمر 6–8 سنوات، يعمل بشكلٍ أساسي بموجات دماغية تشبه موجات دماغ الراشد حين يكون تحت تأثير التنويم المغناطيسي، لذلك، فكلّ آليات التصرف القلقة يقتبسها الطفل بشكل لا إيراديّ ويعتمدها
كما أن تعرّضه السمعيّ المستمرّ، في هذا العمر، لكل أفكار المقاومة والفداء والتضحية والثأر، ينقلها إليه ويُطبّعها في كيانه. وتُسهم المدارس والمخيّمات الحزبية التي يرسل الأهل أبناءهم إليها في ترسيخ هذا التطبيع عبر مناهجها القتالية.
إضافةً إلى ذلك، يُنشَّأ الطفل الشيعي على الذاكرة الجماعية للمأساة الكربلائية، التي لا تُسرد فقط، بل تُعاش من خلال مجالس العزاء والبكاء الجماعي والمراثي التي تجعل الحادثة واقعًا حاضرًا لا مجرّد قصة تاريخية. ويُعمّق تكرارها السنويّ الهوية الشيعية لدى الطفل، الذي يُربّى على مبادئ الكرامة والمقاومة ونصرة المظلوم (هنا أنفسهم وفلسطين، التي تُستَخدم كوسيلة أساسية لاستثارة هذه المشاعر)، إلى جانب الإحساس بالتهديد الجماعي والرغبة في الثأر للحسين من “أحفاد يزيد” وأمثالهم في الدنيا.
ويعمل حزب الله على التلاعب العاطفيّ بهذه المشاعر بشكل ضمنيّ. ومن أقوال حسن نصر الله التي تعكس ذلك: “نحن أبناء الحسين، لا نقبل الذل”، “نحن هنا لنحمي بلدنا وأهلنا مهما كانت التضحيات”، “كما وقف الحسين في كربلاء، نقف اليوم دفاعًا عن كرامتنا”، و”ثقافة كربلاء علّمتنا أن نقاوم الظلم”.
وبالتلاعب هذا يصبح الابتعاد عن حزب، على مستوى اللاوعي، أشبه بخروج عن الدين لا بل كفر بالمقدسات وغدر بها يماثل غدر الحسين من 1400 سنة، فيَصعب على اللاوعي لا بل وربما يستحيل.
فيعود إليّ اليوم عجوز الدجاج لأتساءل: هل فعلًا بكى دجاجاته؟ أم تُراه عالقًا في دوّامة التعلّق المرضي، ولا يزال ينتظر الفرج من المنقذ الوهميّ الذي حبس آماله في فقاعة الأمان، وأقنعه بإمكانية إحياء الموتى؟
فالتعلّق بحزب الله مسألة معقّدة، تنبع أساسًا من كون الإنسان إنسانًا لا غير، وقد تختلف حدّتها من فردٍ إلى آخر تبعًا لمدى تعرّضه للصدمات النفسية وتفاعله الفردي معها، وتعلّقه الديني، وتربيته الاجتماعية والعائلية.
لذلك، فإن مقولة “هم فعلوا ذلك بأنفسهم” مقولة فارغة. فكلّ إنسان يبحث، طوال حياته، عن النجاة بأي وسيلة ممكنة، لأن محاولة النجاة هي محاولة للعيش. فهل يمكن لوم أحد على أخذ قرارات “غير سليمة” للنجاة؟ قرارات هدفها الاستمرار في العيش؟
في الأول من تشرين الثاني عام 2024، لم يطاوعني قلبي على الجلوس في المنزل وعدم التطوّع في مدارس النازحين في الشمال؛ فكلنا مثل بعضنا، نحاول يوميًا، وبشتى الوسائل، السعي للاستمرار في العيش، وكلنا شعبٌ واحد تحت عدوانٍ واحد.
وهناك، في المعهد الفندقي، التقيت بـ”عجوز الدجاج”. وقد استنزف تطوّعي وبضع شباب، وتولّينا أمور أربع مدارس لـ66 يومًا، طاقاتِنا العاطفية والنفسية بالكامل.
لكنّ الموضوع لم يكن الأهمّ حينها، فالأولوية كانت للمهجّرين، لأن خوفهم المزمن كان محفّزاً من خوفنا المزمن. ففي الواقع، نعاني جميعًا، كلبنانيين، من الخوف المزمن الذي نتج عن اضطراب ما بعد الصدمة، المتراكم من الحرب الأهلية التي إمّا عشناها أو عاشها أهلنا وورّثونا إياها.
إنّ هذا الانتقال يجعل نظامنا العصبي سريع الاستثارة من الخطر الوجوديّ الذي كان بارزاً في الحرب الأهلية. وقد ساهم حزب الله في تأجيج الخوف الوجودي هذا لدى باقي الطوائف، حين بدأ، مع حلفائه، موجات الاغتيالات التي حصلت في الـ2005، ثم حين خطف الجنديين وتسبّب، بقرارٍ فرديّ، في اندلاع حرب شاملة في الـ2006، ومن بعدها في أحداث 7 أيار 2008، حين استخدم القوة والبلطجة لردع الحكومة، باطشًا بالدولة وكلّ من فيها، ومهددًا بقتل كلّ من يعارضه.
كما ساهمت كلّ التعطيلات السياسية التي قام بها، على مرّ السنوات اللاحقة، تحت تهديد السلاح، في زيادة شعور الخوف ورغبة الدفاع عن النفس.
وقد فاقم دخول حزب الله إلى سوريا في الـ2011، ومناصرته العلنية لنظام الأسد — الذي نكّل بالشعب اللبناني — وارتكاب المجازر بالأطفال والعزّل، من استياء الناس، ومن هذا التخوّف، لتأكدهم من توحشه إن عورضت مصالحه.
ولكن، على الرغم من الخوف من استقبال أناسٍ مُهدَّدي الوجود، فقد استُضيفوا. غير أنّ المُستضيف لم يَسلم بعد ذلك من خطاب الكراهية الطائفية والإهانات والسباب، التي شُوِّهت بها بعض حوائط البيوت المستأجرة، أو نُشرت من قِبل بعضهم، من أمثال علي برو، بعد عودته إلى صفحات التواصل الاجتماعي.
كما استُفزّ المُستضيف، في الفترة الماضية، بشتّى الطرق، كما حدث مثلًا عند كسر كلمة الدولة على صخرة الروشة، الأمر الذي كان تأكيدًا لاستمرار طغيان حزب الله.
وفي نظرية الإيثار المتبادل (Reciprocal Altruism) في علم النفس التطوري، فإنّ مساعدة شخصٍ ما في المجتمعات القديمة كانت تخلق عقدًا اجتماعيًا ضمنيًا مفاده: “إن ساعدتك اليوم، فسوف تساعدني غدًا”، وهو بمثابة اتفاق غير معلن طويل الأمد. ولصِغر حجم تلك المجتمعات، كانت الحاجة إلى هذا العقد ضرورية للبقاء على قيد الحياة، إذ كان الفرد يعتمد على الفرد للمساعدة في شتّى الأمور.
وفي حين أن الوقت كان كافيًا لتوسيع حجم المجتمعات، فإنه لم يكن كذلك لتغيير عالمنا النفسي، فلا تزال أدمغتنا تعمل على أساس هذا الإيثار المتبادل. لذلك، نكث هذا العقد، كما فعل الشيعة، يخلق لدى المُستضيف شعورًا بالغضب والاستياء والظلم، ويُنشئ لديه رغبة في قطع العلاقة، لأن الدماغ بات يرى الطرف الآخر خائنًا لا يُوثق به.
إنّ هذه الآليات التطورية تعمل على حماية الإنسان من الاستغلال، إذ توحي له بأنّ الشخص الذي وثق به لا يمكن الوثوق به مرةً أخرى، لأنه نكث ذلك العقد مرّةً.
وبحسب دانيال كانيمان، فإنّ الإنسان، تحت تأثير الخوف المزمن، يميل إلى استخدام نظام التفكير السريع العاطفي، الذي يحميه من الخطر سريعاً، عوضاً عن نظام التفكير البطيء التحليلي المنطقي.
بالتالي فنحن كلبنانيين أجمعين، باستعمالنا التفكير السريع، نميل لحماية أنفسنا، إلى الإفراط في التعلم بالعواقب (Consequential Learning)، وهو التعلّم الطبيعي الذي يسمح لنا بالاستنتاج من التجارب السابقة، كالابتعاد عن النار بعد الاحتراق بها. كما نلجأ إلى التعميم المفرط (Overgeneralization)، لأنه أسرع وأكثر كفاءة في حالات الخطر.
وبالتعميم المفرط هذا، يبني المُستضيف فكرته عن المجموعة الشيعية انطلاقًا من سلوك بعض الأفراد الذين أهانوه، فيستنبط صورة الجماعة من الفرد. وهكذا، يتحوّل الفرد إلى ممثّلٍ للمجموعة في ذهنه، فيصبح كلّ شيعي — في نظر هذا الدماغ الحامي — ناكرًا للجميل، بلطجيًا ومستغلًا.
إنّ علم النفس التطوري يقدّم أيضًا تفسيراتٍ لنكران الجميل عبر الإهانات، منها: محاولة التهرّب من الدَّين أو ردّ الجميل، واستعادة الشعور بالكرامة والقوة بعد الضعف من خلال التمرّد والهجوم لقلب ميزان القوة. كما أنّ من يُقدّم المساعدة يُنظر إليه، اجتماعيًا، على أنه أعلى أخلاقيًا، فيأتي اللجوء إلى الإهانات كوسيلةٍ لخفض هذا التفوّق الأخلاقي، ولو على المستوى الرمزي.
وتتلاقى هذه التفسيرات مع حالة بعض أفراد المجتمع الشيعي، الذين انتقلوا من “مركز الكرامة العالية” إلى طلب العون من أشخاصٍ قد رُبّوا على كون بعضهم “أبناء يزيد”، فوجودهم عوضاً عن ذلك مضيافين. وعند هذا التناقض بين التوقّعات والواقع، قد يلجأ الفرد إلى إنكار التجربة والتشبّث بحكايات الكراهية الراسخة في لاوعيه، فيُعبّر عن ذلك بالإهانات.
كما أنّ البلطجة هذه ناتجة عن صعوبة التخلّي عن التعلق بالقوة التي كان يقمع فيها حزب الله البلد، وهو تشبث بماضي كانوا يشعرون فيه بالأمان، كما هو أيضًا مرآة للخوف من خسارة هذا الأمان.
غير أنّ تلك الإهانات لم تكن السبب الذي لم يدفعنا إلى التطوّع هذه المرّة. فالإنسان الذي تطوّعنا لأجله في المرّة الماضية لا يزال إنسانًا، رغم كلّ شيء. أمّا السبب الأساسي فهو أنّ الاستنزاف الذي تعرّضنا له في الحرب الماضية لا يزال نائماً فينا.
لذلك، كانت العودة منذ أيام إلى أجواء الـ2024 ثقيلة، إذ أيقظت كلّ ذلك الإرهاق النفسي الذي حملناه على ظهورنا من تلك الحرب. ففي الحرب، نخاف نحن أيضًا؛ في الحرب يخاف الجميع وتتوقّف حياة الجميع، لا النازح فقط. فالعدوان، عدوان على كل الناس، وإن اختلفت الدرجات.
لكننا، بخلاف من هُجّروا، نملك خيار التجنّب، وهذا ما فعلناه كمتطوّعين هذه المرّة، وهذا ما فعله أيضًا كثيرون ممّن لم تُصبهم الحرب بشكل مباشر. والتجنّب هو أحد الآليات الدفاعية التي قد تلجأ إليها نفس الإنسان لحماية ذاتها؛ إذ يساعد على التخفيف من حدّة المشاعر المرتبطة بحدثٍ معيّن، فينتج شعورًا مزيّفًا بالأمان. ومع الوقت، قد يتحوّل هذا التجنّب إلى خَدَر. وهذا الخَدَر، رغم شيطنته، يُعدّ استجابةً طبيعية لعدة أسباب.
أوّل هذه الأسباب هو أنّ جهاز الإنسان العصبيّ، عندما يتعرّض لحدثٍ مُقلِق، يستنفر في البداية ويُفعّل نظام “الكرّ والفرّ” المرتبط بارتفاع القلق. أمّا عندما يتعرّض الفرد لهذا الحدث مرّاتٍ عدّة، ويجد أنّه لم يتأذَّ منه بشكلٍ مباشر، يستنتج الدماغ أنّ القلق تجاهه يُمثّل هدرًا للطاقة، فيتحوّل ما أقلقه أول مرة إلى حالةٍ مألوفة، ويُدرك — ولو بدرجةٍ محدودة — أنّه ليس خطرًا مباشرًا.
وقد يخلق البُعد الجغرافي والمعنوي (كاستهداف الكيان الصهيوني لمؤسسات حزب الله بشكلٍ عام) في تعزيز الشعور بعدم الحاجة إلى القلق. فالجهاز العصبي لدى البعيدين، وبعد خبرة العدوان السابق، قد يطمئن إلى أنهم في أمان ما داموا لا يقتربون من المناطق الشيعية.
ثانيًا، إنّ جسم الإنسان مُعدّ ليكون تحت استجابة الكرّ والفرّ (Fight or Flight) قصيرة الأمد. فهذه الاستجابة الجسمانية، التي يدخل فيها الجسم عند الإحساس بالقلق، تهدف أساسًا إلى التخلّص السريع من الخطر، ثم العودة إلى حالة الأمان التي كانت سائدة قبلها.
ولذلك، يسعى الدماغ لإعادة الجسد إلى حالة الأمان بأي طريقة. وفي حال عدم القدرة على تغيير الواقع (كما في الحروب)، قد يلجأ إلى أسلوب دفاعي، هو الهروب أو تفادي المشكلة. وينفع هذا الأسلوب عندما لا يكون الفرد معنيًا بشكل مباشر بالمقلقات (كما هو حال من لا يزالون في منازلهم اليوم)، لأن القلق وحالة الكرّ والفرّ، ليسا إلا نتيجة عمل فكري يمكن تعديله بعملية ذهنية أخرى.
ثالثًا، قد يدخل الدماغ في نوعٍ من الإجهاد العاطفي الناتج عن التعاطف الدائم. ويعود ذلك لعدة أسباب، أبرزها أنّ البُنى العصبية المسؤولة عن توليد التعاطف تُصاب بالإرهاق. فالقشرة الجزرية الأمامية (Anterior Insula)، والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex)، واللوزة الدماغية (Amygdala)، التي تُسهم في تفعيل التعاطف، تبقى في حالة نشاطٍ مستمر (Firing) عند استمرار التعاطف، ما يجعل المرء في حالة توترٍ مزمنٍ خفيف.
وعليه، يسعى الدماغ لخفض مستوى تحفيز هذه المناطق للتخلّص من القلق المزمن، والارتياح، ما يؤدي، بدوره، إلى تراجع مستوى التعاطف مع الآخر أيضاً.
أمّا في حالة نفور البعض من الشيعة بسبب نكران المعروف والاستفزاز والإهانات خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، فإنّ هذه الأسباب الثلاثة تزداد حدّة، ويزداد معها الخَدَر. وذلك يحدث لفصل الجهاز العصبي نفسه كليًا عن ذلك “الآخر” — تجنّبًا لألمٍ مستقبلي — بل وقد يصل الأمر إلى اعتباره عدوًا، أي خطرًا، وخطرًا وجوديًا تحديدًا.
وبالتالي، يترسّخ على المستوى اللاواعي شعورٌ بعدم الحاجة إلى الاكتراث بما يحدث له، بل قد يُنظر أيضًا إلى أنّ كلّ أذى يصيبه يمثّل نوعًا من الأمان للذات، لأن أذى “العدو” يُخفّض من مستوى الخطر المُتصوَّر.
لذلك، أتذكّر اليوم عجوز الدجاج، وأتذكّر أنّنا جميعًا مثله نعيش حالة خوفٍ مزمن. أتذكّر أنّنا، مثله، نحاول دائمًا التقليل من هذا الخوف وإيجاد الأمان بأي وسيلة ممكنة.
أتذكّر وأفهم أنّ لكلٍّ منّا درجاتٍ وحالاتٍ مختلفة من اضطراب ما بعد الصدمة، تتحكّم بها فروقاتنا العاطفية واختلاف الظروف التي رسمت واقعنا. لكننا، كثيرًا ما نعجز عن الفهم، فنصارع كلّ ما يُخيفنا وكلّ ما نظنّ أنه يهدّدنا.
فنحارب بعضنا لاختلاف طرق تعاملنا مع صدماتنا. أتذكّر… وأفهم… أنّ علينا أن نبدأ برؤية بعضنا من خلال مخاوفنا، وأن على كلّ منّا أن يتعامل مع الآخر على أساس إحساس الآخر بالأمان، لا على أساس الدفاع المستمر الأنانيّ عن النفس.
نحن بحاجة إلى أمانٍ عامّ، شامل، ومتواصل، حتى تعتاد أجهزتنا العصبية تدريجيًا، ومع مرور الوقت، على الحال الجديد الذي هي فيه، فتتخلّى عن الخوف المزمن.
ومن مسؤولية الدولة أن تكون مصدر هذا الأمان وتعطيه بكل أشكاله لجميع الناس، من دون تمييز فئة عن فئة، ومن دون منح أي جهة هامشًا تستقوي به على غيرها فتتّخذ قرارات حرب تخدم مصالح خارجية على حساب كل أهل البلد.
ومع مرور الوقت، ومع ترسّخ الإحساس بالأمان، سيتخلّى الإنسان تدريجيًا عن خوفه، وعن فقاعات الأمان الوهمية التي احتمى بها.
لكنّ الموضوع “بدّه طولة نَفَس”… وعلينا أن نصبر، وأن “نخلّي المعنويات عالية”، وإلّا سنستمرّ مرارًا وتكرارًا في انتظار موت الدجاج المتروك في مزرعةٍ مختلفة كلّ فترة.
فكم مرّة علينا أن نبكي موت دجاجاتنا؟
وإلى متى سنبقى دجاجًا مزمن الخوف في مزرعة عجوز الدجاج؟