أرجوحة هرمونات الإنتاجيةاللبنانية في هذا الطقس المختلّ

أرجوحة هرمونات الإنتاجيةاللبنانية في هذا الطقس المختلّ

سخرية قاسية مارسها طقس لبنان عليّ عندما كنت أكتب هذا المقال!
فبينما كنت أضع مسودته تحت شمسٍ تخدعنا بدفئها، باشرتُ تحريره على وقع مطرٍ انهمر فجأةً لِيقلب المشهد.
ولو كنتُ كأقراني في بلادٍ تحترم مواطنيها، مِمّن يألفون المطر ويرون فيه خلفيةً موسيقية تزيد من إنتاجيتهم، لربما استمتعتُ باللحظة. لكن المطر في لبنان، لموظفٍ منهكٍ ينهي دوامه، ليس رومانسيًا أبدًا، إنه كابوسٌ لوجستي ثقيل يقف حائلاً بينه وبين طريق العودة، ومتاهةٌ من الزحمة والبُرك التي تبتلع ما تبقى من طاقته.
فماذا تفعل بنا هذه التقلبات الجوية، وكيف تحوّل طقسنا من ظاهرة طبيعية إلى أداة قمعٍ نفسي وإنتاجيّ؟

سيزيف اللبناني… نهارهُ مقطّع الأوصال

يُقال إنّ سيزيف كان محكوماً بدحرجة صخرته إلى الأبد، واللبناني محكومٌ بدحرجة يومِه وسط تقلباتٍ لا ترحم. يبدأ نهارنا بعملية استقصاءٍ ذهنية: هل نرتدي الصوف أم نكتفي بالقميص؟ هنا تبدأ المرحلة الأولى من استنزاف الطاقة، ما يسميه علم النفس بـِ”إرهاق القرار” (Decision Fatigue). فنحن نمتلك في  دماغنا البشري مخزونًا محدودًا من الطاقة لاتخاذ القرارات؛ وعندما يُستهلك هذا المخزون في تفاصيل تافهة كدرجة حرارة الغرفة أو نوع الحذاء المناسب للوحل المفاجئ، نصل إلى مكاتبنا مفلسين ذهنياً قبل أن يبدأ العمل الحقيقي.

نحن لا نخرج إلى العمل فحسب، بل نخرج لخوض معركة تكيفٍ مع  أربعة فصولٍ تتبدّل في غضون ساعات. هذا التشتت المستمرّ يغتال ما يُعرف بـ”التركيز العميق” (Deep Work)؛  ذاك الملاذ الذهني الذي يتطلبه الإبداع والإنتاج الفكري. فكيف لعقلٍ أن يغوص في فكرةٍ معقدة أو ينجز مشروعاً يتطلب صفاءً ذهنيًا، وهو مشغولٌ بمراقبة غيمةٍ سوداء تلوح في الأفق قد تعني انقطاع الإنترنت، أو موجة حرٍّ مباغتة تجعل من مكاتبنا – التي تفتقر لأبسط وسائل التكييف في ظلّ أزمة الكهرباء والموتور- زنزاناتٍ خانقةً تذيب القدرة على التفكير؟

الإنتاجية في لبنان ليست فعلاً مهنية مجردة، بل هي محاولة مستميتة للثّبات فوق رمالٍ متحركة. إننا نعيش حالة “سيزيفية” بامتياز؛ نرمّم مزاجنا في الصباح بقهوةٍ سريعة مع صوت فيروز وتفاؤلٍ حذر، ليأتي تقلب الطقس في الظهيرة ويدحرجَ استقرارنا إلى قاع الإحباط. هذا التّقطع في إيقاع النهار يسرق منا تراكم الإنجاز، ويجعل نهار الموظف اللبناني عبارة عن ترقيعٍ لثقوبٍ أحدثتها الطبيعة تارةً، وإهمال البنية التحتية تارةً أخرى، ليبقى السؤال: كيف نُطالب بالإبداع في بيئةٍ لا تمنحنا حتى ترف التنبؤ بحرارة أجسادنا بعد ساعةٍ من الآن؟

أرجوحة الهرمونات

بعيداً من اللوجستيات، يكمن الصراع الأعمق في كيمياء أجسادنا وتأثيرها على الصحة النفسية. في بلادٍ تحترم الإيقاع البيولوجي لمواطنيها، يُعد استقرار الضوء والحرارة عاملاً حاسماً في استقرار الصحة النفسية، أما في لبنان، فنحن نعيش فوق “أرجوحة هرمونية” لا تهدأ. يُعلِمنا العلم أن الدماغ البشري يفرز “السيروتونين”، هرمون السعادة والتركيز، استجابةً لضوء الشمس، بينما يحفّز الظلام المفاجئ إفراز “الميلاتونين” الذي يدفعنا للنوم والخمول. فماذا يحدث عندما تتبدل هذه الإشارات الضوئية أربع مرات في نهار واحد؟

إننا نعيش حالة من “الاضطراب العاطفي الموسمي لكن بنسخة مكثّفةٍ ومسرّعة تحدث خلال ساعات. هذا التقلب المفاجئ في الضغط الجوي وكمية الضوء الساقط على أعيننا يضع الموظف اللبناني في حالة “تيهٍ بيولوجي”. يبدأ نهارنا بطاقة الشمس العالية، وفجأةً تغزو الغيوم السوداء السماء، فينخفض ضغط اللبنانيّ وتتثاقل جفونه، ويتبخر ذاك الحماس الإبداعي ليحل محلّه قلقٌ مبهم وخمولٌ مفاجئ.

تكمن المشكلة الكبرى في أنّ معايير الإنتاجية في عصرنا الحالي تُقاس بالأرقام والنتائج الجامدة، متجاهلةً تماماً أن الإنسان “كائن مائيّ” يتأثر بالرطوبة والضغط والحرارة. وبما أن المكاتب اللبنانية تفتقر في معظمها لأنظمة إضاءة ذكية أو تهوية مدروسة تعوّض نقص الطبيعة، يصبح الموظف ضحيةً مباشرة لهذا التذبذب الجوي. إنها المزاجية القسرية التي تفرضها علينا الطبيعة المتقلبة، وتعمّقها أزمة الانكشاف النفسي. فنحن شعبٌ يستنزفُه القلق الاستباقي أصلاً، ليتدخل الطقس ويَضع اللمسة الأخيرة على لوحة الإرهاق اليومي. في نهاية المطاف، تؤول الإنتاجية في لبنان لا لِمسألة الإرادة، بل هي رهانٌ خاسر مع غدة صنوبرية تحاول جاهدةً فهم ما إذا كان الوقت الآن هو وقت العمل. أم وقت الانكسار خلف زجاج النافذة المبلّل.

المناخ الكولونيالي

في المدن التي تحترم إنسانها، يُعتبر المطر خلفيةً موسيقية أو مشهداً يبعث على التأمل من وراء زجاج المكاتب الدافئة. أما في لبنان، فالمطر ليس ظاهرة مناخية، بل هو أداة قمع لوجستية تكشف عورة البنية التحتية المتهالكة. هنا، تتحول الغيمة السوداء من مصدر للخير إلى جهاز إنذار يثير الذعر الجماعي من زحمة السير وفساد الطرقات. فالموّظف الذي يراقب انهمار المطر، لا يفكر في جماليات اللحظة، بل بِطريق العودة الذي سيتحول إلى مستنقع، وبساعات الزحمة التي ستلتهم ما تبقى من أعصابه، وبِالإنترنت التي قد تلفظ أنفاسها الأخيرة مع الصاعقة الأولى.

هذا هو “المناخ الكولونيالي” بامتياز؛ حيث تُترك الأجساد مكشوفة تماماً أمام تقلبات الطبيعة من دون عازلٍ مؤسساتي. الدولة التي فشلت في تأمين تيار كهربائي مستقر أو شبكة تصريف مياه بديهية، جعلت من طقس لبنان مديراً فعلياً لحياتنا. الإنتاجية هنا تُغتال مرتين: مرةً بالخوف الاستباقي من “علقة السير”، ومرةً بالاستنزاف الجسدي داخل سيارات تتحول إلى علب سردين وسط البرك. إننا نستهلك طاقتنا في لوجستيات النجاة بدلاً من صرفها في الإبداع؛ فكيف ننتظر من إنسانٍ يقضي ثلاث ساعات في نفقٍ غارق بالمياه أن يصل إلى منزله ولديه الرغبة في التفكير أو العطاء؟ لقد سلبنا هذا الانكشاف اللوجستي ترف الاستقرار المناخي، وحوّل علاقتنا بالطبيعة إلى علاقة عدائية، حيث أنّ “الشتوة الأولى” ليست بشارة موسم، بل هي إعلان حرب على الأعصاب والإنتاجية.

بين رحمة السماء وعجز الأرض

في المحصلة، إنّ تقلّب الطقس مشكلة عالمية طبعًا لكن في لبنان هو المجهر الذي يكبّر حجم هشاشتنا النفسية والمؤسساتية. نحن نعيش في بلدٍ يُطلب فيه من الفرد أن يكون “سوبرمان” منتجاً، بينما هو غارقٌ في تفاصيل بدائية تتأرجح بين برودة وشمس في يومٍ واحد. إنّ إنتَاجيتنا، وصحتنا النفسية، وحتى قدرتنا على الحلم، ستبقى رهينة هذه الأرجوحة الجوية ما دام لا سقفَ يحمينا سوى سقف الطموحات الشخصية المنهكة. يبدو أن قدر اللبناني أن يبقى معلقاً بين رحمة سماءٍ متقلبة، وعجز أرضٍ لم تعد تقوى على احتواء حتى “شتوة” عابرة. فهل نحن فعلاً شعبٌ يتكيف، أم إننا مجرد أجسادٍ تآكلت من فرط التقلب، بانتظار استقرارٍ، قد لا يأتي مع النشرة الجوية المقبلة؟