27 Feb 2026
Like this post
في قلب واشنطن، يتصاعد اشتباك قانوني هو الأضخم منذ عقود، يتمحور حول محاولة إدارة الرئيس ترمب إعادة تعريف “السيادة الاقتصادية” عبر سلاح الرسوم الجمركية الشاملة. هذا الصراع ليس مجرد خلاف على أرقام تجارية، بل هو صدام بنيوي بين طموح السلطة التنفيذية في التحرك السريع و”حائط الصد” القضائي الذي تمثله المحكمة العليا.
تعتمد استراتيجية الإدارة الحالية بشكل مكثف على قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) للعام 1977. هذا القانون يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لفرض قيود اقتصادية في حالات “التهديدات الاستثنائية” من الخارج. التحدي الحقيقي يكمن في استخدام هذا النص القانوني، الذي وُضع أصلاً للعقوبات الموجهة (مثل تجميد أصول دول معينة)، لفرض رسوم جمركية عامة بنسبة 10% إلى 20% على الواردات كافة، و60% على السلع الصينية.
من الناحية الدستورية، تمنح المادة الأولى (Section 8) الكونغرس وحده سلطة “فرض وجباية الضرائب والرسوم”. وهنا تكمن العقدة: هل يمكن لتفويض “الطوارئ” أن يحل محل النص الدستوري الصريح؟
المحكمة العليا، بتشكيلتها الحالية، لم تعد تميل لمنح “شيكات على بياض” للوكالات الفيدرالية أو السلطة التنفيذية. فبعد إنهاء سابقة تفسير شيفرون (Chevron Deference)، برزت عقيدة الأسئلة الكبرى(Major Questions Doctrine) كأداة رقابية حاسمة.
تذهب هذه العقيدة إلى أن القرارات التي تمس قطاعات ضخمة من الاقتصاد الأميركي وتؤثر على حياة الملايين لا يمكن أن تُتخذ بناءً على تفسيرات قانونية فضفاضة. يرى فقهاء القانون أن فرض رسوم قد تضخ ما يقارب 2 تريليون دولار في الخزينة (وفقاً لتقديرات Tax Foundationهو “سؤال كبير” يستوجب تشريعاً مباشراً من الكونغرس، وليس مجرد قرار رئاسي مستند إلى قانون الطوارئ.
إدراكاً منها لهذه العقبات القضائية، بدأت الإدارة في تفعيل “المادة 232” من قانون التوسع التجاري للعام 1962. هذه المادة تتيح فرض رسوم إذا تبين أن الواردات تهدد “الأمن القومي”. تاريخياً، كانت المحاكم الفيدرالية والمحكمة العليا أكثر مرونة وتحفظاً في التدخل بقرارات الرئيس المتعلقة بالأمن القومي، ما يمنح البيت الأبيض مساحة مناورة قانونية أوسع، وإن كانت ستواجه طعوناً شرسة من قبل كبار المستوردين والشركات المتعددة الجنسيات.
بعيداً من قاعات المحاكم، يراقب العالم هذا الصراع بحذر. الرسوم الجمركية المقترحة ليست مجرد أداة حمائية، بل هي “ورقة ضغط” في المفاوضات الدولية. ومع ذلك، فإن عدم اليقين القانوني الناجم عن الصراع مع المحكمة العليا يؤدي إلى تذبذب في الأسواق العالمية، إذ يخشى المستثمرون من إلغاء مفاجئ لهذه الرسوم بقرار قضائي، ما قد يربك سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج، بما في ذلك قطاعات الملابس الرياضية والمعدات التقنية.
نحن أمام مشهد يعيد صياغة العقد الدستوري الأميركي. فإذا نجحت المحكمة العليا في تقييد استخدام الرئيس للرسوم، ستكون قد استعادت سلطة الكونغرس المالية. أما إذا استطاع البيت الأبيض تمرير رؤيته تحت غطاء “الأمن القومي”، فسنشهد تحولاً جذرياً نحو نظام رئاسي يتمتع بسلطات اقتصادية غير مسبوقة.