عودة وزارة الثقافة بـسلامة

عودة وزارة الثقافة بـسلامة

من النجاحات المبدئية التي حصدها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، منح وزارة الثقافة للدكتور غسان سلامة، المفكر والدبلوماسي اللبناني المشهود لمسيرته الأكاديمية والعلمية. صحيح أن سلامة تولّى وزارة الثقافة بين عامي 2000 و2003، أي أنه ليس زائرًا جديدًا لهذه الوزارة، لكن تجربة الوزير السابق القاضي محمد مرتضى غير المشجعة جعلت لبنان ينكفئ عن دوره الثقافي والريادي في عالم النشر والكتاب، مما أنسى القرّاء العرب هوية بيروت كعاصمة للكتاب، خصوصًا بعد عزوف العديد من دور النشر العربية عن المشاركة في المعرضين الدوليين الأخيرين للكتاب. وزارة تشبه العاصمة تمامًا بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، تنتظر من ينتشلها من تحت أنقاض الخراب، لتعود يد بيروت ممدودة بالحرف واللغة والكتاب إلى العالم.

عهد القاضي مرتضى… عهد سبات الحرف

إذا أردنا الحديث بصيغة موضوعية وعلى قاعدة “وحدة بوحدة”، فإن وزير الثقافة الأسبق محمد وسام المرتضى وقّع آخر إنجاز له قبل تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة بأيام قليلة، وهو إنشاء مجمع اللغة العربية، واضعًا من خلال المرسوم الصادر في 2 شباط 2025 الأطر القانونية وتوزيع المهام. مرتضى، الذي انتظرناه لينهي ولايته كوزير وكقاضٍ على أسس التعامل الثقافي والفني والأدبي، صار من الآن فصاعدًا تحت مجهر النقد والتقييم، بل والمساءلة عن ولايته والدفع نحو عدم تكرارها.

فالوزير الذي هاجم الروائي العالمي سلمان رشدي بخطاب يمكن وصفه بلطف بأنه “أيديولوجي دوغمائي” لا يحتمل أي سجال أو تحاور، والذي انكفأ عن دعم المراكز الثقافية، لا سيما “مركز المطالعة والتنشيط الثقافي” الذي أُنشئ بالتعاون مع وزارة الثقافة الفرنسية، عبر تعزيز حركة دخول الإصدارات الحديثة إليه أو تفعيل النشاطات بالتعاون مع المؤسسات غير الحكومية، هو نفسه الذي عرقل قرارات مديرة المعهد الموسيقي الوطني في لبنان، هبة القواس، تحت ذرائع لوجستية وإدارية غير مقنعة.

أما بعض التقارير والتحقيقات الصحفية، فتحدثت عن ممارسات للوزير السابق، تبدأ بغضّ النظر عن نشاطات دينية منحازة ارتُكبت في أكثر من صرح مؤسساتي ومدرسي، دون أن يبدي أي موقف تجاهها، وصولًا إلى الأداء الاستنسابي لاتحاد الكتّاب اللبنانيين، حيث اقتصرت معظم نشاطاته على “استقبل وودّع”، وإن وُجدت أي فعاليات، فهي منسّقة بين أطراف متوافقة لإعادة تصدير الأسماء نفسها إلى الواجهة الثقافية اللبنانية.

فهل سيكلفنا هذا النقد ملاحقة قضائية أم أنه سيُواجَه برحابة صدر ونقد ذاتي؟

تحديات تواجه الوزير غسان سلامة

لن تكون مهمة الأكاديمي والباحث غسان سلامة سهلة على الإطلاق، فالوزارة بحاجة إلى من يرسم هيكلها الجديد، ويدخل روح الشباب إلى طاقمها، بدءًا من مستشاري الوزير، مرورًا بالموظفين، وصولًا إلى أي متعاقد مع الوزارة.

التحدي الأول سيكون معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ66، المقرر في 14 أيار 2025. فبيروت تعود اليوم منهكة من حربها السابعة مع العدو الإسرائيلي، الذي يعادي الكتابة والثقافة والحياة. ورعاية الوزير سلامة لهذا الحدث الاستثنائي ستحدد موقف المثقف العربي من بيروت، فإما نستعيد ثقة “الرساميل الثقافية” (دور النشر، الكتّاب العرب، المثقفين)، أو سيبقى الحال على ما هو عليه.

ينبغي على الوزير سلامة مراجعة الحقبات الثقافية السابقة لبناء منظومة ثقافية جديدة تليق بالتحولات السياسية التي لحقت بلبنان. وربما يكون البدء في المجال الأثري، عبر تشييد ودعم وترميم كل المرافق الإبداعية والسكنية والأثرية التي كوّنت تاريخه الثقافي، هو الخطوة الأولى للصعود على سلّم الإصلاحات الثقافية.

“عادت وزارة الثقافة بـ’سلامة’ إلى لبنان”— عبارة سيتأمل اللبنانيون تحققها، خاصة مع وصول شخص يُفترض أنه في المكان المناسب، على يمينه رئيس حكومة معروف بمكتبته، وعلى يساره رئيس جمهورية أقسم على حفظ سيادة لبنان وتطهيره من الفساد.

المواضيع