20 Mar 2026
Like this post
في لحظات الخطر الكبرى، يُفترض أن تتجه غريزة البشر إلى النجاة: البحث عن مخرج، حماية الأرواح، وتوحيد الجهود لمواجهة الخطر الداهم. لكن المشهد الذي نراه أحياناً يبدو مختلفاً تماماً، بل أقرب إلى مفارقة مؤلمة تكشف حجم الارتباك والانقسام داخل الجماعة نفسها.
تخيّل مجموعة من الناس محاصرين داخل بيت يوشك على الانهيار. القصف المدفعي يتساقط حولهم بعنف، والجدران ترتجف مع كل انفجار. كل المؤشرات تقول إن الوقت يضيق، وإن الأولوية المطلقة يجب أن تكون للبحث عن طريق للخروج أو على الأقل اتخاذ ما يلزم لحماية من في الداخل. غير أن ما يحدث داخل البيت يسير في اتجاه معاكس تماماً.
بدلاً من التفكير في النجاة، ينشغل بعض السكان بتبادل الشتائم والاتهامات. يتحول الخطر الخارجي إلى خلفية صاخبة لمشهد آخر من الصراع الداخلي. كلمات الغضب والتهديد تتطاير بين الجدران، وكأن المعركة الحقيقية تدور بينهم لا خارج البيت.
الأكثر غرابة أن بعضهم لا يكتفي بهذا الصراع، بل يذهب إلى حد التفكير في هدم البيت بيديه قبل أن ينهار من تلقاء نفسه، وكأن تدمير المأوى بأيديهم أقل سوءاً من مواجهة الخطر بطريقة عقلانية. وفي الجهة الأخرى من المشهد، يختار بعضهم طريقاً مختلفاً: يقررون النوم. يغمضون أعينهم هرباً من واقع مخيف، متوهمين أن تجاهل الخطر قد يخفف وطأته أو يؤجل لحظة الانهيار.
هكذا يتحول البيت المحاصر إلى صورة مكثفة لحالة من الفوضى النفسية والسياسية: صراع في الداخل، وإنكار للخطر، وعجز عن الاتفاق حتى على أبسط قواعد النجاة الجماعية.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر الخارجي وحده هو المشكلة. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات قد تنهار أحياناً بسبب انقساماتها الداخلية بقدر ما تنهار بسبب الضغوط التي تتعرض لها من الخارج. وعندما يصبح الجدل والصراع بديلاً من التفكير في النجاة، فإن البيت لا يحتاج إلى قذيفة جديدة كي يسقط؛ يكفي أن يستمر سكانه في ما يفعلون .