القمار الإلكتروني ومحاولات شرعنة الفضيحة

القمار الإلكتروني ومحاولات شرعنة الفضيحة

ناقش مجلس الوزراء منذ أيام اقتراحاً لإعادة إطلاق مناقصة تلزيم للقمار الإلتكروني الذي تشغله BetArabia وفق عقد مع كازينو لبنان أحيل بموجبه عدد من المسؤولين في إدارة الموقع والكازينو إلى القضاء وأقفوا قبل أن يخرجوا إلى الحرّية مجدّداً تحت راية “البراءة” على الرغم من المخالفات القانونية والمالية الهائلة بحق المجتمع وخزينة الدولة.

جاء القرار الحكومي على الرغم من محاولات قوننة وفقاً للآليات التشريعية المفترضة عبر مجلس النواب بما أنّ القانون الساري المفعول لا يلحظ شيئاً عن القمار الإلكتروني، فيما يُعدّ محاولة ترقيع للمخالفات السابقة بعد الإفراج عن المرتكبين الذي لا يزالون يعملون إلى اليوم مع سريان مفعول العقد الحالي بين الكازينو والمنصة.

كيف بدأت القصة؟
برزت هجمة أولى على مواقع المراهنات الإلكترونية منذ حوالى 4 أعوام تزامناً مع نهائيات كأس العالم قطر 2022، قبل أن تعود إلى الواجهة في الأشهر الأخيرة على شكل “موجات أصغر”، انتهت الأولى بإغلاق أكثر من 600 موقع رهان إلكتروني، والثانية بحالتا انتحار مع محاولتَين نيابيّتَين لرأب الصدع.
لا شكّ في أنّ نسبة انتشار مكاتب شبكات المراهنات والمواقع الإلكترونية، خصوصاً التي تتعلّق بكرة القدم، باتت تُشكِّل أزمة لا يُمكِن إنهائها أو القضاء عليها، إنّما يجب تنظيمها من الناحية القانونية لمحاربة السوق السوداء التي تنتشر كالوباء في المقاهي والأحياء، خصوصاً في أقضية النبطية، بيروت، زغرتا، طرابلس، جبيل، وساحل المتن.

وتتشكّل الشبكات من رأس (صاحب الموقع) محميّ سياسياً وتصل أرباحه من الرهانات الخاسرة إلى 60 أو 70%، يَدنوه مُلّاك مكاتب في الأحياء (مخالفة واضحة للقانون لأنّها تُعرِّض الأطفال إلى دعاية القمار)، أو وسطاء في المقاهي والأحياء تتراوح أرباحهما بين 40 إلى 30% (تتغيّر النسب بحسب القضاء وحجم الرهانات الخاسرة). ولأنّ غالبية المواقع يمكن تشغيلها من خارج لبنان، بالإضافة إلى وجود تطبيقات VPN أو Proxy لتغيير الـ IP Address (العنوان الجغرافي الذي تستخدمه الحكومات)، فلا يُمكن للدولة اللبنانية القضاء عليها.

فعلى الرغم من أنّ المراهنين الذين يتابعون كرة القدم بكثافة، تُصبح رهاناتهم أكثر من مجرّد حظّ، ممّا لا يُعَدّ جريمةً بحسب المادة 632 من قانون العقوبات التي تنصّ على أنّ القمار هو الألعاب التي “يتسلّط فيها الحظ على الفطنة والمهارة”. إلّا أنّ ما يُفعِّل هذه المادة، هو إمكانية الرهان على تحديد أي فريق يحصل على ركلة البداية، أو عدد الركلات الركنية، البطاقات الصفراء أو الحمراء، التسديدات على المرمى، الأهداف… وهي حالات تعتمد بأكثرها على الحظّ، حتى مع تطوّر علم إحصائيات كرة القدم لوجود المعدّلات المتوقّعة (X-Average) للتسجيل، والسيطرة على الكرة، والتسديد…

اقتراحا قانون من دون أفق
تقدّم النائب طوني فرنجية، رئيس لجنة التكنولوجيا النيابية، باقتراح من مادة وحيدة ترتكز على إغلاق جميع المواقع الالكترونية المختصة بالمراهنات والقمار، بما فيها الموقع الخاص بكازينو لبنان (BETArabia). وسبقه النواب ميشال موسى، قاسم هاشم وشربل مسعد باقتراح قانون موسّع (من 97 مادة) يرمي إلى منح تراخيص من خلال تشكيل هيئة ناظمة، ممّا يدرّ أرباح قد تتجاوز الـ10 مليون دولار شهرياً إلى الخزينة العامة.

بدوره، يطلب اقتراح النواب الثلاث إيقاف جميع المواقع مؤقتاً إلى حين تشكيل الهيئة الناظمة، ممّا يفتح الباب على مصراعَيه لانتشار السوق السوداء بشكل أكبر. علماً أنّه يطلب بأن تكون الهيئة الناظمة مستقلّة بمنح التراخيص، لكن لم يمرّ الاقتراح بسلام إلى الجريدة الرسمية ولا حتى إلى الهيئة العامة، لأنّ استقلالية هذه الهيئة الناظمة ستَقضُم أرباح ووساطات “المحميات السياسية المناطقية”.

مثالاً على ذلك، إنّ مكاتب القمار في مختلف المناطق، يتبع مُلّاكها وأصحاب الرخص إلى هذه المحميات المناطقية. ولأنّ منح التراخيص يأتي باستنسابية سياسية ومناطقية، ينتشر القمار غير الشرعي (ليس إلكرتونياً) بشكلٍ هائل، وتتجاوز مبالغه المالية القمار الإلكتروني.

لكنّ اقتراح النواب الثلاث، يؤمّن في فقراته النقاط الأبرز والأكثر إلحاحاً وإمكانيةً للتطبيق، على رغم من وجوب تشكيل الهيئة الناظمة بأسرع وقت ومن دون السماح للسوق السوداء بالاتساع، وذلك من خلال اضطرار المراهن إلى أن يكون تجاوز الـ21 من عمره، مع تشديد العقوبات السجنية والغرامات بحقّ المخالفين (مليار ليرة)، وحاجة المراهن إلى إسم إلكتروني رسمي.

ولأنّ النواب المطالبين بإلغاء فكرة التراخيص يُسيطرون على لجنة التكنولوجيا كما وأكثرية المجلس؛ إذ إنّ أحزابهم من السياديِّين إلى الممانعين شكّلت “ترويكا” إبرام العقد بين كازينو لبنان وBet Arabia، ارتأى النواب “تنييم” اقتراحَي القانون، ممّا يزيد من حدّة الأزمة اجتماعياً ويراكم الأموال في محافظ المنتفعين والحامين السياسيِّين بدل إرفاد الخزينة بأموال إضافية تُقدَّر بأكثر من 200 مليون دولار (تحصل الدولة حالياً على حوالي 40 مليون دولار).

من جهةٍ أخرى، كان المراهنون سابقاً يعتمدون على البطاقات المصرفية للرهان على المواقع العالمية، لكن مع الأزمة المصرفية، بات ذلك صعباً جداً وربما مستحيلاً. وكان هذا القطاع يؤمّن أرباحاً بالدولار للمصارف والمراهنين، إذ إنّه يُعتبَر حوالة مصرفية خارجية إلى لبنان.

بالتالي، سيحتاج أي اقتراح قانون، إن أبصر النور يوماً، إلى تنظيم القطاع مع وزارات المال والاتصالات والداخلية (لخلق بطاقة هوية ذكية/ممغنطة) بشكل رئيسي مع صلاحيات مباشرة لقمع المخلافات، بالإضافة إلى استقطاب الشركات الأجنبية الكبرى من خلال منح التراخيص، ممّا يَحدّ من قوّة الشبكات الصغرى التي يتحوّل معظمها إلى عصابات في الأحياء في حال لم تتمأسَس بشكل رسمي وتحت رقابة الدولة. وذلك لأنّ الحسابات في الشركات الأجنبية يُفرَض عليها رقابة مصرفية إضافية، ويمكن تتبّعها دولياً وليس محلياً فقط.