27 Feb 2026
Like this post
في سياقات التوتر الدولي، تكتسب المُهلة الزمنية أهمية سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي، لأنها تصبح جزءً من أدوات الضغط وإدارة التوازنات بين الخصوم. فعندما تتزامن المفاوضات مع حشد عسكري متصاعد، يتحول عامل الزمن إلى وسيلة للتأثير في سلوك الطرف المقابل ودفعه إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط التهديد واحتمال التصعيد. ومن هذا المنظور، يمكن فهم المشهد الأميركي الإيراني الراهن باعتباره لحظة تفاوضية شديدة الحساسية، تتداخل فيها القنوات الدبلوماسية مع ترتيبات ردعية متقدمة، وهو ما يجعل الحوار النووي الساري في جنيف محاطاً ببيئة استراتيجية مضطربة تُصعّب الفصل بين التفاوض والضغط العسكري.
وتشير المعطيات المتداولة، المستندة إلى صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع الرحلات المتاحة للعموم، إلى تحرك أميركي واسع في المجالين البحري والجوي في الشرق الأوسط ومحيطه القريب. ففي المجال البحري، يتمركز الانتشار حول حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln التي دخلت نطاق عمليات القيادة المركزية الأميركية في أواخر كانون الثاني بمرافقة قطع عسكرية، بالتوازي مع تحرك USS Gerald R. Ford نحو شرق المتوسط ومجال الأزمة. ويعكس هذا التمركز اتساع الحضور البحري الأميركي، إذ تُقدّر بعض المصادر الإعلامية عدد القطع المنتشرة في المنطقة بما لا يقل عن 16 قطعة، مع استمرار حجب بعض التفاصيل المرتبطة بالترتيبات العملياتية.
وفي المجال الجوي، تبدو المؤشرات أكثر ارتباطاً بفكرة الاستعداد لعمليات قد تستمر لفترة أطول. فالمعطيات المتاحة تفيد بتحرك أكثر من 150 طائرة نحو أوروبا والشرق الأوسط منذ 17 شباط، وكانت النسبة الأكبر منها مخصصة للنقل العسكري والتزود بالوقود. ويعزز هذا النوع من التحركات الانطباع بوجود تحضير لبنية دعم تسمح باستمرار النشاط العسكري عند الحاجة، وهو ما يمنح الحشد دلالة تتجاوز الاستعراض السياسي العابر. وفي ضوء ذلك، يرتبط النقاش بطبيعة الهدف الذي تسعى واشنطن لتحقيقه من خلال هذا الإيقاع المتسارع، وبحجم الكلفة المحتملة، وبقدرة الإقليم على استيعاب هذا المستوى من الضغط في بيئة تتسم بتعدد الفاعلين المسلحين وتشابك مناطق النفوذ وارتفاع احتمالات سوء التقدير.
استؤنفت المحادثات النووية خلال هذا الشهر وسط مؤشرات متباينة تعكس في آن واحد استمرار الرهان على المسار الدبلوماسي وتزايد الشكوك في قدرته على احتواء التصعيد. فقد تحدثت طهران عن وجود أفق إيجابي في الجولة الثالثة من محادثات جنيف، في حين صدرت إشارات أميركية إلى احتمال عقد لقاء بين موفدين أميركيين والوفد الإيراني هناك. غير أن هذا التحرك التفاوضي يجري ضمن سياق شديد التوتر، إذ تواصل واشنطن التلويح بمهلة قصيرة تضع المفاوضات تحت ضغط زمني واضح، بينما ترفع إيران منسوب خطاب الردع وتلوّح بإمكانية استهداف القواعد الأميركية وحلفائها في حال تعرضها لهجوم. وبهذا المعنى، يبدو المسار الدبلوماسي محاطا منذ البداية ببيئة مشحونة تجعل فرص التهدئة مرتبطة بتوازن آيل للسقوط أكثر منه للصمود.
ويزداد هذا المشهد تعقيدا بسبب ثقل الذاكرة القريبة على حسابات الحاضر. فالتصعيد الحالي لا يُفهم بمعزل عما أعقب حرب حزيران 2025 من ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية، ثم ما تلا ذلك من احتجاجات داخلية في إيران وعمليات قمع رافقتها. وقد أدى هذا التراكم إلى توسيع دلالة الملف النووي داخل الخطاب الأميركي، بحيث لم يعد يُقدَّم باعتباره قضية تقنية مرتبطة بالتخصيب والرقابة فقط، وإنما بات متصلًا أيضا بمسألة الشرعية الداخلية في إيران وبخيارات الضغط السياسي الأوسع. ومن هنا، أخذت الأزمة تتحرك ضمن إطار أكثر تشابكا، تختلط فيه الحسابات النووية بالاعتبارات الأمنية، وتتداخل فيه أهداف الردع مع رهانات التأثير في توازنات الداخل الإيراني.
في المجال البحري، أخذ الانتشار الأميركي يكتسب طابعا أكثر وضوحا وتنظيما مع دخول حاملة الطائراتت USS Abraham Lincoln إلى نطاق عمليات القيادة المركزية الأميركية في أواخر كانون الثاني، برفقة ثلاث مدمرات هي USS Frank E. Petersen, Jr. وUSS Spruance وUSS Michael Murphy. ثم تعزز هذا الحضور بإرسال مدمرة إضافية، الأمر الذي رفع عدد المدمرات الأميركية في المنطقة إلى ست، إلى جانب الحاملة وثلاث سفن قتال ساحلية. ويعكس هذا التشكيل البحري مستوى متقدما من الجاهزية، لأن الأمر لا يتعلق يتجاوز بعد الوجود الرمزي في المياه الإقليمية الحساسة، ويتعلّق أساسا بقدرة بحرية متماسكة يمكنها أن تؤدي وظائف متعددة تشمل الردع والمرافقة والحماية وتوفير الغطاء لأي تحرك عسكري محتملل.
وتزداد أهمية هذا الانتشار مع المؤشرات المرتبطة بتحرك USS Gerald R. Ford نحو شرق المتوسط ومحيط الأزمة، لأن هذه الخطوة توسع الخيارات المتاحة أمام واشنطن في حال قررت استخدام القوة. فوجود أكثر من حاملة طائرات في المجال العملياتي نفسه يمنح صناع القرار قدرة أكبر على توزيع الضغط وإدارة الوتيرة العسكرية، كما يفتح المجال أمام تنفيذ عمليات متتابعة ومتتالية بدل الاكتفاء بضربة واحدة محدودة.
غير أن القراءة الدقيقة لهذا الحشد تقتضي الانتباه إلى عنصر أساسي كثيرا ما يبقى في الظل، وهو البعد اللوجستي. فعمليات التزويد والتموين في البحر لا تُعد تفصيلا ثانويا، وإنما تشكل شرطا عمليًا لاستمرار أي انتشار عسكري وتحويله من حضور ضاغط إلى قدرة فعلية قابلة للاستخدام. ومن هذا المنظور، تكتسب عملية التزويد التي جرت في بحر العرب بين الحاملة وسفينة الإسناد Carl Brashear دلالة خاصة، لأنها تشير إلى وجود استعداد للحفاظ على الجاهزية البحرية لفترة أطول. وتزداد هذه الدلالة وضوحا إذا أخذنا في الاعتبار أن USNS Carl Brashear مصنفة ضمن سفن الشحن والذخيرة والدعم، وتؤدي وظيفة تزويد القطع البحرية بالمؤن وقطع الغيار والذخيرة أثناء وجودها في البحر. وبذلك، فإن وصول الوقود والإمدادات والذخيرة إلى المجال البحري يعكس انتقال الحشد من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى القدرة العملياتية القابلة للتنفيذ، حيث يغدو خيار القوة أكثر واقعية وأقل ارتباطا بمجرد التلويح النظري.
في المجال الجوي، تكشف التحركات الأميركية عن مستوى من الجاهزية يتجاوز البعد الرمزي المرتبط بالردع السياسي. فالتقارير التي تحدثت عن تحرك أكثر من 150 طائرة نحو أوروبا والشرق الأوسط منذ 17 شباط، وكانت الغالبية منها من طائرات النقل والتزويد بالوقود، توحي بأن الأمر يرتبط بتهيئة بنية دعم تسمح بإسناد عمليات عسكرية يمكن أن تستمر لفترة غير قصيرة. وتزداد هذه المؤشرات أهمية مع تقديرات أخرى تحدثت عن رصد أكثر من 100 طائرة صهريج وأكثر من 200 طائرة نقل خلال موجة التحركات في منتصف شباط، إلى جانب تسجيل وجود طائرات إنذار مبكر وتحركات أخرى تعزز جاهزية القيادة والسيطرة اللازمة لأي نشاط جوي واسع.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الحشد الجوي لا يقتصر على إرسال رسالة ردعية إلى الخصم، وإنما يعكس أيضا بناء الشروط العملية التي تجعل استخدام القوة ممكناا عند الحاجة. فحين يرتفع عدد طائرات النقل والتزود بالوقود بهذا الشكل، يصبح المعنى العسكري للتحرك أوضح، لأن هذا النوع من الأصول لا يرتبط فقط بإظهار القوة، وإنما بتأمين استمرارها ميدانياا وضمان قدرتها على العمل ضمن نطاق زمني أوسع. ومن ثم، فإن التحرك الجوي الأميركي يوحي بأن واشنطن لا تكتفي بفرض ضغط نفسي وسياسي على إيران، وإنما تعمل أيضا على تهيئة البيئة العملياتية التي تسمح بالحفاظ على الزخم العسكري إذا اتجهت الأزمة نحو مواجهة مفتوحة.
في المقابل، يبدو أن إيران تُدير هذا التصعيد عبر مسارين متكاملين يهدفان إلى رفع كلفة أي اقتراب أميركي من خيار القوة. المسار الأول يتجسد في الرسائل البحرية الميدانية، سواء من خلال الاحتكاكات المرتبطة بالزوارق والمسيّرات أو من خلال التعامل الصارم مع حركة بعض الناقلات تحت ذرائع أمنية أو قانونية. أما المسار الثاني فيرتبط بالتلويح بإمكانية التأثير في الملاحة داخل مضيق هرمز من خلال إغلاقات مؤقتة أو إجراءات مرتبطة بالمناورات والاحتياطات الأمنية. ويكشف هذا السلوك عن محاولة واضحة لاستخدام الجغرافيا البحرية بوصفها أداة ردع، بما يسمح لطهران بإظهار قدرتها على تعقيد المشهد الإقليمي من دون الانتقال المباشر إلى مواجهة شاملة.
وتتخذ هذه الرسائل بعدا أكثر حساسية حين تنتقل من المجال الميداني إلى المجال القانوني والسياسي. فقد حملت الرسالة الإيرانية إلى الأمم المتحدة تحذيرا رسميا يُفيد بأن أي اعتداء قد يجعل قواعد وأصول ما تصفه طهران ب”القوة المعادية” أهدافا مشروعة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمنح الخطاب الإيراني صيغة أقرب إلى التأسيس المسبق لمشروعية الرد، بما يعني أن طهران لا تكتفي بإطلاق تحذيرات عامة، وإنما تسعى أيضا إلى تثبيت “إطار تبريري” يمكن أن تستند إليه إذا اتسع نطاق المواجهة. وفي هذا المستوى، يصبح التصعيد جزءا من معركة على تعريف الفعل والرد، وعلى تحديد الطرف الذي سيتحمل مسؤولية توسيع دائر الاستهداف.
وتكشف حادثة الثالث من شباط بوضوح عن هذا المنطق المتدرج في إدارة التوتر. فقد أسقطت القوات الأميركية مسيّرة إيرانية اقتربت من حاملة الطائرات في ظروف وُصفت بأنها غير واضحة، وتزامن ذلك مع احتكاك بزوارق بناقلة ترفع العلم الأميركي قبل أن يتدخل مرافِق بحري وتتم السيطرة على الموقف. ثم أعقب ذلك صدور إرشادات أميركية للملاحة التجارية في مضيق هرمز بصيغة تعكس ارتفاع مستوى الحذر وتوقع احتمال تكرار مثل هذه الاحتكاكات. وتكشف هذه الوقائع عن هشاشة الوضع في المنطقة الرمادية الفاصلة بين الردع والمواجهة، حيث لا توجد حرب معلنة بالمعنى التقليدي، لكن تراكم الحوادث المحدودة قد يدفع بسرعة نحو تصعيد أوسع يصعب احتواؤه بعد لحظة الانفجار الأولى.
يتسع أثر التوتر الأميركي الإيراني بسرعة لأنه لا يظل محصورا بين دولتين فقط، وإنما يمتد إلى فضاء إقليمي مترابط تتداخل فيه المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية. فكل تصعيد بين واشنطن وطهران يفتح تلقائيا مسارات ارتداد في عدد من الساحات القريبة، ويُحوّل الأزمة من مواجهة مباشرة محتملة إلى حالة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة. ومن هنا تبرز خطورة المشهد الحالي في كونه يضع عدة أطراف أمام ضرورة إعادة حساب مواقعها وخياراتها وحدود انخراطها في أي تطور مفاجئئ.
في منطقة الخليج، سعت الإمارات إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن مجالها الجوي وأراضيها ومياهها الإقليمية لا ينبغي أن تتحول إلى منصة لأعمال عدائية ضد إيران، وهو موقف يعكس رغبة في تجنب التحول إلى هدف مباشر في حال اتسعت دائرة الرد. أما السعودية، فتتعامل مع التصعيد من زاوية إضافية ترتبط بأمن الطاقة واستقرار الأسواق، وهو ما يفسر توجهها نحو رفع الإنتاج والصادرات كإجراء احترازي تحسبا لأي اضطراب محتمل في الإمدادات. وتظهر قطر بدورها ضمن هذا المشهد من خلال إجراءات وقائية مرتبطة بقاعدة العديد، بما يعكس إدراكا متزايدا لحساسية البنية العسكرية المنتشرة في الخليج في مثل هذه الظروف.
وفي العراق وسوريا، تتخذ الأزمة طابعا أكثر تعقيدا بسبب حضور الفاعلين المحليين المسلحين وتشابكهم مع التوازنات الإقليمية. فالعراق يظل ساحة شديدة الحساسية لأن الوجود العسكري الأميركي فيه يتقاطع مع نفوذ فصائل موالية لإيران، كما يتداخل ذلك كله مع الترتيبات السياسية الداخلية، وهو ما يجعل احتمال الرد غير المباشر حاضرا بصورة دائمة. وفي سوريا، ورغم تراجع مستوى الاهتمام الإعلامي مقارنة بساحات أخرى، فإن مخاطر الاستهداف عبر الوكلاء أو من خلال مواقع النفوذ المتداخلة تبقى قائمة إذا انتقلت الأزمة إلى مستوى أوسع. وهذا يعني أن توسع التصعيد قد لا يترجم فقط في صورة مواجهة بين جيوش نظامية، وإنما أيضا عبر قنوات غير مباشرة يصعب ضبطها بسرعةة.
أما في لبنان وإسرائيل، فإن التوتر يرتبط بإمكانية انتقال المواجهة إلى جبهة شديدة الهشاشة أصلا. فخطر أن تتحول أي خطوة من جانب حزب الله إلى مدخل لتوسيع النزاع بصورة قد تشمل البنى المدنية وتفرض على لبنان كلفة باهظة يظل حاضرا. ومن هذا المنطلق، تعكس التحذيرات الإسرائيلية وما يقابلها من دعوات لبنانية إلى تجنب الانجرار نحو الحرب إدراكا مشتركا لهشاشة الوضع، ولإمكانية أن تتحول الساحة اللبنانية إلى إحدى أكثر نقاط الاشتعال حساسية إذا انفلت التصعيد بين واشنطن وطهران.
وتقف تركيا بدورها في موقع معقد تحكمه اعتبارات متعددة، فهي تبدو معنية بخفض التوتر من جهة، لكنها مضطرة في الوقت نفسه إلى التفكير في كيفية حماية الداخل ومصالحها الأمنية في حال توسعت المواجهة. وتزداد هذه الحسابات أهمية مع اتساع قائمة القواعد والمنشآت والأصول التي قد تدخل في نطاق الاستهداف إذا انزلقت الأزمة نحو مرحلة أكثر حدة. وفي ضوء ذلك كله، تتجاوز خطورة المشهد مسألة اتخاذ قرار بضربة عسكرية من عدمه، لأن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الإقليم على امتصاص صدمة تصعيد قد يطال في الوقت نفسه الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية وشبكات الوكلاء، وهو ما يجعل أي مواجهة محتملة مرشحة لأن تنتج ارتدادا متعدد الجبهات يتجاوز بكثير حدود الحدث الأول الذي يطلقها.
يبدو أن ما تسعى إليه إدارة ترامب يرتبط أيضا باعتبارات سياسية داخلية وبالحاجة إلى تحقيق نتيجة سريعة يمكن تقديمها بوصفها نجاحا واضحا. فالمطلوب، في أحد أبعاده، ليس فقط كبح البرنامج الإيراني أو تعديل سلوكه، وإنما الوصول إلى مخرج يمكن تسويقه سياسيا، سواء تجسد في اتفاق يُعرض باعتباره إنجازا تفاوضيا، أو في عملية عسكرية تُقدَّم باعتبارها استعادة للردع. وتساعد هذه القراءة على فهم التركيز الكبير على عامل الزمن، لأن طول الأزمة قد يستهلك العائدات السياسية المتوقعة منها، وقد يحوّل الردع من مكسب سريع إلى عبء مفتوح على الاستنزاف. ونفهم الآن لماذا تكتسب السرعة قيمة مركزية في هذا النهج.
وانطلاقا من ذلك، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتطور الأزمة. المسار الأول يتمثل في الوصول إلى اتفاق مرحلي أو موسع يفرض قيودا على التخصيب ويعزز آليات التفتيش، مقابل تخفيف محسوب للعقوبات واحتواء التصعيد في البحر. والمسار الثاني يبدو أكثر اتساقا مع المعطيات الحالية، حيث تستمر حالة الضغط المتبادل في صورة حشد عسكري وعقوبات ومفاوضات متقطعة وحوادث محدودة في البحر أو عبر المسيّرات، من دون انزلاق فوري إلى حرب شاملة. أما المسار الثالث فيتمثل في توجيه ضربة أميركية محدودة أو متدرجة تستدعي ردا إيرانيا على القواعد أو عبر الوكلاء، وتؤدي إلى اضطراب في هرمز والطاقة وربما إلى مواجهة تتوسع على أكثر من جبهة. ومع ذلك، فإن مصدر الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هذه السيناريوات نفسها، وإنما في احتمالات سوء التقدير التي ترافقها. فهناك مستوى أول يرتبط بالاحتكاكات السريعة التي قد توقع خسائر بشرية وتدفع نحو ردود متسارعة، ومستوى ثان يتصل بتعرض القواعد والمنشآت إلى ضربات واستنزاف متبادل، ثم مستوى ثالث أشد اتساعا يرتبط بدخول الوكلاء واهتزاز أسواق النفط وتعطل الملاحة، بما قد يحول أزمة ردع إلى أزمة إقليمية شاملة يصعب تطويقها بسرعة.
بعد كل ما طُرح أعلاه، سواء كان تحليلا للفرضيات أو سردا للمعطيات، الأمر الوحيد الذي سيُجمع حوله المحللون (ربما) هو أن كمية ونوعية الحشد الأمريكي الحالي بالمنطقة قد تُلقي بالمنطقة نحو الهاوية وتُشعل من جديد نيران القذائف والطائرات إن أقدم ترامب على منح الضوء الأخضر للهجوم الحاسم (غير) المنتظر.