غزة تُطمس في أرض الإمبريالية

غزة تُطمس في أرض الإمبريالية

من بمواجهة من؟ من يحارب من؟

دعوني أُصارحكم شعوري… قبل سنوات حينما ارتطمتُ مصدوماً بجسد الحقيقة الصلب، حينما صعقتُ خائباً، وباحثاً عن هوية جديدة بعد أن رأيتُ ما آمنتُ به مصلوباً على يد صاحبه؛ شعرتُ حينها بغابة هذا المكان، أرضٌ بلا إنسانية حقيقة إلا في مساحات الأفراد، أرضٌ بلا مبادئ غير انعكاساتها على وجوه بلاستيكية، وعلى ألسنة تزلق لعاباً نجساً لا يأبه بمصداقية الكلمات.

إنها الخيبة بالعالم الأول، الذي ادّعى الإنسانية والمبادئ والقيم الحقوقية، فوجدته أول أعداء دعوته، فتساءلت: إذن أين تكمن هذه المعاني؟ أين لها أن تكون؟ ولمن تنتمي لحظات الصفاء على شريط الزمن المر؟
وقبعتُ في خيبة معرفتي، حتى أدركت مقايس أخرى تتبناها الدول، وعرفت ماذا تعني الأرض بكونها الأرض البشرية لا الجنة.

الفاصل بين الشيء والآخر هو السلاح الذي يفهم صاحبه استخدامه الواسع، سلاحه الذي لا يقتصر على طلقات النار ومباشريّة القتال. سلاحه في الوصول، وسلاحه في الحفاظ على الوصول، بل وفي خلع كل من يحاول الوصول إلى ما وصل إليه.

الدول الامبريالية ليست قططاً في الشارع تسعى لتأكل ثم تتابع مواءها البريء. إنها تسعى لتأكلك يقظاً! إنه زمن السيطرة والحرب على كل من يحاول التملص من قبضة السيطرة. ولستُ أسعى لتخييب طفل آمالكم لكنّ محاربة خريطة الشيطان أمر صعب وطويل، يحتاج تلك السنوات الطويلة المملوءة بتراكمية جهود واعية وطارقة لكل جوانب الحياة التي تضمن الوجود، وتضمن مقعداً في حيز الغد المظلم.
إن المهيمن يقرع كل الأبواب ويخلعها… كلها!

إن ما سبق واضحاً ومفهوماً وبداهياً، لكننا بحاجة مستمرة لمراجعته وفق تطورات السياسة الدولية الحاصلة؛ لندرك حقيقة الصراع في دائرته العامة والخاصة. لندرك أن السبب هو التشبث ببقاء التفوق وضمان دونية الآخر. لندرك أن العداء الحقيقي هو على فكرك الحر جداً، الذي يوظَّف في مساره وزمنه المناسبين. يفهم تراكمية الفهم الذي يستطيع أخذ مكانه.

الامبريالية لا يهمها هويتك الجغرافية أو دينك كثيراً وإنما يهمها بالدرجة الأولى بقاءك في حفرتك التعيسة. (كن أينما شئت واعبد ما شئت، لكن عليك أن تبقى في الدون دوماً، لأنك إما أن تكون فيه أو أن تكون مكاني) هذا لسانهم الحقيقي.

الامبريالية تشكر كل من يبعثر أوراقه، وكل من يصرخ صرخات الثورة المندفعة. وتخشى من يستطيع استخدام الضد مع، وتخشى من يفهم لغة المواطنة الحقيقة الكامنة في نفوس الأجيال، والنامية في صمت وتخطيط، والأمثلة كثيرة في ساحة السياسة الحالية.

وإذا ما كنا في مثل هذا الحوار، الذي يلمح ولا يحدد، علينا ان نلتفت ونقف أمام مثال فنزويلا، التي أسقطوها بعملية سريعة لم تكلف دماً أو رصاصاً أو حتى وقتاً… بينما غزة الفسيفساء أطاحوها بشعبها طوال سنتين دماً ورصاصاً وجوعاً وعذاباً سرمدياً بلا آخر، لماذا المفارقة وأين تكمن؟

هناك فرق بين من يريد إدارة حكم وتغيير نظام بالأصابع الناعمة إلى حد ما، وبين إرادة أخرى تعمل على قلع وجودي، نعم فعلى ضفتنا نجد أن الحرب واضحة وقائمة باستمرار وجودنا، تستهدف شيئاً واحداً مفهوماً: نحن.
المستهدف في قضيتنا هو فقط نحن، بوجودنا وصوتنا وأقلامنا وهويتنا. وإدارة الصراع الفاشل تساعد في وصولهم وتمليهم لغة خطاب تساعد في متابعة الحرق المستمر.

كما ودعوني أكرر: ألا نحرف البوصلة وندرك أن الحرب على من فينا بالضبط، وأن ندير الصراع من دون فناء، وألا نرتع في وهم الأسطرة والصمود والميتافيزيقيا الصلبة… في مقارنة غبية من زاوية سخيفة لما حدث مع رئيس فنزويلا ولما حدث في غزة.

ودعونا نفهم لسان العصر، وكيف علينا أن نتحدث، وأي الألسنة تجيد الحديث، وأي الآذان واعية! وأبصروا، وانظروا كيف تخلو سنة المعاصرين!

ختاماً اسمحولي بطرح سؤال واعتبروه لا شيء: أي الدول نالت استقلالها، وما مدى استقلاليتها؟ الأب يحكم العائلة، فإما أن يحكم وإما ألا تكونوا.