العرب والزواج المفقود

العرب والزواج المفقود

عندما يُذكر الزواج، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو الارتفاع الكبير في معدلات العنوسة، والتي لا تقتصر على دولة عربية واحدة، بل تكاد تشمل غالبية بلدان الوطن العربي. والمقلق في الأمر ليس فقط هذه النسب المرتفعة، بل التعامل معها باستخفاف على الرغم من أنها تمثل خطراً اجتماعياً حقيقياً قد يقود إلى تراجع في معدلات الإنجاب، وخلخلة في بنية المجتمع.

فانخفاض معدلات الزواج يعني بالضرورة تراجعاً في تكوين الأسر، وما يترتب على ذلك من انتشار للفساد والانفلات الأخلاقي، لأن الأسرة هي حجر الأساس في بناء المجتمعات. وإذا ما أصاب هذا الأساس أي تصدع، فإن النتيجة الحتمية ستكون انهياراً مجتمعياً واسعاً. وهنا يبرز السؤال المحوري: هل تسهم العادات المجتمعية في هذا التدهور، أم أن العصر الحديث يدفع بنا فعلياً نحو عالم بلا زواج؟

العنوسة في الوطن العربي

تشير بعض الإحصائيات إلى أرقام مفزعة بشأن العنوسة في الوطن العربي، إذ يحتل لبنان المرتبة الأولى بنسبة 85%، تليها الإمارات بـ75%، ثم سوريا والعراق بنسبة 70%، وتونس بـ62%، والجزائر بـ50%. أما السعودية والأردن فيسجلان 42%، تليهما مصر والمغرب بـ40%، ثم اليمن بـ30%، وأخيراً البحرين بـ25%.

هذه الأرقام وحدها كفيلة بإحداث صدمة، وخصوصاً أن بعض هذه الدول تتمتع بمقومات اقتصادية ومعيشية جيدة، ما يؤكد أن ارتفاع نسب العنوسة لا يرتبط فقط بمسألة الفقر، وإن كانت عاملاً مؤثراً، إلا أن هناك عوامل أخرى أشد تأثيراً تجعل من فكرة العزوف عن الزواج خياراً مفضلاً لدى بعض الشباب، حتى في حال توافر الإمكانيات المادية.

الطلاق في الوطن العربي

وقبل الخوض في قضية العنوسة، لا بد من التوقف قليلاً عند نسب الطلاق، لفهم مدى استقرار مؤسسة الزواج في العالم العربي. وبحسب تقرير صادر عن “داتا بانداز”، فإن نسب الطلاق لكل ألف نسمة هي: ليبيا 2.5، مصر 2.3، السعودية 2.1، الجزائر والأردن 1.6، سوريا والكويت 1.3، وأخيراً الإمارات وقطر 0.7.

قد تبدو هذه الأرقام منخفضة، لكن يجب أن نتذكر أنها تحسب على أساس كل ألف نسمة، وفي دول ذات كثافة سكانية مرتفعة مثل مصر والجزائر، تكون النسب المطلقة مهولة. وهذا يدل على أن حتى حالات الزواج التي تُعقد لا تستمر طويلاً، ما يعني أن هناك خللاً هيكلياً واضحاً في منظومة الزواج.

العائلات والعادات المجتمعية

الزواج في المجتمعات العربية لا يُعد مجرد علاقة بين شاب وفتاة، بل ارتباط بين عائلتين، ما يجعل للأهل دوراً كبيراً في إنجاح أو عرقلة الزواج. وغالباً ما يكون أهل الفتاة، بشروطهم المبالغ بها كالذهب والمهر وقصور الأفراح، عائقاً رئيسياً، على الرغم من أن بعض الشبان قد يكونون قادرين مادياً.

لكن العائق لا يأتي دائماً من الأهل، إذ ترفض بعض الفتيات الزواج طوعاً، مفضلات التركيز على الاستقلال المهني وتحقيق الذات. وبحسب جريدة “العرب”، فإن الخطر الأكبر يكمن في غياب الرغبة بالزواج أساساً، لا في ضغوط الأهل.

في حال تجاوزنا عقبة الأسرة، تظهر لنا معضلة أخرى، وهي العادات المجتمعية المتوارثة، التي تجعل من الإقدام على الزواج مهمة شبه مستحيلة.

ولنأخذ مثالاً من مصر، حيث تنتشر عادة “قائمة المنقولات الزوجية”، وهي بمثابة “وصل أمانة” يدوّن فيه الذهب والأثاث وحتى الأدوات الشخصية. وتصل القيمة الإجمالية لهذه القائمة إلى ما يقارب مليون جنيه مصري، أي ما يعادل نحو 20 ألف دولار أميركي. وفي حال حدوث نزاع، يُطالب الزوج بإعادة كل ما ورد فيها بحالته الأصلية، أو دفع ما يعادله نقداً، وإلا يواجه عقوبات قانونية قد تصل إلى تهم تمس الشرف والأمانة.

كل هذا يحدث، على الرغم من أن محتويات هذه القائمة يستخدمها الزوجان سوياً، ما يجعل هذه العادة واحداً من أبرز المعوقات التي تصد الشباب عن الإقدام على خطوة الزواج.

أما في المغرب، فالوضع لا يقل تعقيداً. ووفقاً لتقرير صادر عن “الجريدة 24″، فإن الكثير من الشابات يواجهن رفضاً مجتمعياً بسبب تجاوزهن السن المتعارف عليه للزواج، في وقت لا يجدن فيه الظروف المناسبة للارتباط. وتُواجه المرأة المغربية ضغوطاً أكبر من الرجل، ما يجعل من العنوسة أزمة مزدوجة بالنسبة للنساء.

وبحسب ما أورده الأستاذ علي الشعباني، المتخصص في علم الاجتماع، فإن رفع سن الزواج القانوني إلى 18 عاماً، وطول فترة الدراسة، وخروج المرأة إلى سوق العمل، من أبرز الأسباب التي ساهمت في ارتفاع نسبة العنوسة. فقد أصبحت المرأة مستقلة مادياً، ولم تعد ترى في الزواج وسيلة للعيش، ما جعلها أكثر انتقائية في اختيار شريك الحياة.

إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع تكاليف الزواج، وغلاء المهور، وتضخم أسعار العقارات، كلها عوامل تجعل الشباب يترددون كثيراً قبل الإقدام على خطوة الزواج. والنتيجة: 8 ملايين مغربية لم يتزوجن حتى الآن — رقم يثير القلق بحق.

نسب العنوسة في لبنان

لبنان تتصدر القائمة بنسبة 85%، ومع هذا الرقم المذهل، تصاعد الجدل بين الجنسين حول أسباب هذه الظاهرة. إذ يرى بعض الشباب أن طموحات المرأة واستقلالها المادي هو السبب، فيما ترى بعض النساء أن التوصيف المهين بـ”العانس” يجب أن يُطلق على الجنسين على حد سواء.

ووفق الباحث الاجتماعي طلال عتريسي، فإن الفتاة تُعتبر “عانساً” إذا تجاوزت الثلاثين، بينما يُطلق الوصف نفسه على الرجل عند تجاوزه الأربعين. كما يحذّر من أن تأخر سن الزواج يؤدي إلى انخفاض في معدلات الإنجاب، وهو ما ينذر بمجتمع هرِم، كما هو الحال في أوروبا.

أما المعالجة النفسية باسكال مراد، فترى أن السبب الرئيس للعنوسة هو استقلالية المرأة، بينما تشير المحللة الاقتصادية فيوليت غزال إلى أن الأسباب اقتصادية بحتة، أبرزها أزمة القروض السكنية التي جعلت الزواج حلماً بعيد المنال.

في الختام، نجد أنفسنا أمام منظومة من العوامل المتشابكة التي أسهمت مجتمعة في رفع نسب العنوسة. من الأهل، إلى التقاليد، إلى أولويات الفتاة، وصولاً إلى العادات المجتمعية، التي تقوّض فكرة الزواج من أساسها.

نحن هنا لا ندعو للزواج كخيار تقليدي، بل كركيزة أساسية في الحياة. فالعزوبية مهما بدت ممتعة، تظل مرحلة مؤقتة. أما الزواج، فهو الاستثمار الحقيقي في بناء أسرة ومجتمع.