5 Sep 2025
Like this post
منذ خريف 2019، تسارعت الأحداث في لبنان نحو انهيار شامل، بدأ مالياً ونقدياً، ثم سرعان ما تمدد إلى كل زاوية في حياة الناس.
في البداية، كانت الصدمة. فقد الناس فجأة أموالهم في المصارف. الدولار قفز من 1500 ليرة إلى 2000، ثم إلى 4000، ثم إلى أرقام لم تعد تُحصى. لكن الأهم من كل هذه الأرقام، أن مجتمعاً بأكمله فقد توازنه. وبصمت تام، كانت الطبقة الوسطى تختفي.
الطبقة التي كانت تشكل غالبية المجتمع اللبناني—من أساتذة وموظفين وأطباء ومهندسين وأصحاب مهن حرّة—انزلقت بهدوء من موقع الاستقرار النسبي إلى هاوية القلق اليومي: كيف نؤمّن الدواء؟ كيف نُبقي أولادنا في المدرسة؟ من أين نأتي بالكهرباء؟ كيف ندفع إيجار المنزل؟
بحسب تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) أواخر العام 2020، قفزت نسبة اللبنانيين تحت خط الفقر من 28% إلى 55% خلال سنة واحدة فقط. الأكثر مأساوية أن الفقر المدقع، أي من لا يستطيع تأمين الطعام والدواء، تضاعف تقريباً من 8% إلى 23%. ومع هذا التدهور الحاد، انحسرت الطبقة الوسطى إلى أقل من 40% من السكان بعدما كانت تلامس ثلثي المجتمع قبل الأزمة. وفي العام 2021، أشارت الإسكوا إلى أن 82% من اللبنانيين أصبحوا يعيشون في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي أن الحرمان لم يقتصر على الدخل فقط، بل شمل التعليم، الصحة، والسكن.
الضربة القاضية جاءت من انهيار العملة. فقبل الأزمة، كان الحد الأدنى للأجور يساوي نحو 450 دولاراً (675,000 ليرة لبنانية). أما في ذروة الانهيار في العام 2021، فقد بات يعادل أقل من 30 دولاراً، فيما بقيت الأسعار ترتفع بوتيرة صاروخية.
فواتير الكهرباء والإنترنت، إيجارات المنازل، كلفة المدارس الخاصة، وحتى المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والزيت والحليب—كلها تضاعفت مرات ومرات. تقارير إدارة الإحصاء المركزي أشارت إلى أن التضخم السنوي في 2021 تخطّى 140%، ثم قفز إلى أكثر من 190% في 2022. وفيما تضخّمت الفاتورة، انكمش الدخل.
على الأرض، تعني هذه الأرقام أن عائلات بأكملها اضطرت إلى تغيير أنماط حياتها بشكل جذري. لا زيارات للطبيب إلا للضرورة القصوى، لا تعليم خاص إلا لمن يملك “دخلاً طازجاً” بالدولار، ولا دواء من دون بحث مرهق في الجمعيات والمساعدات. بعض العائلات قررت تقليص عدد وجبات الطعام اليومية، وبعضها الآخر أعاد أولاده من الجامعات أو أوقفهم عن التعليم.
الهجرة، التي كانت في السابق خياراً لتحسين الحياة، أصبحت الآن حاجة للبقاء. في العام 2021 وحده، غادر لبنان أكثر من 77 ألف شخص، معظمهم من أصحاب الكفاءات: أطباء، مهندسون، أساتذة، ممرضون، وأصحاب مهن. نقابة الأطباء أشارت إلى أن نحو 40% من منتسبيها غادروا البلاد. المؤسسات التربوية فقدت آلاف المعلمين، والمستشفيات باتت عاجزة عن الاحتفاظ بطواقمها.
الانهيار لم يكن اقتصادياً فقط، بل كان سياسياً ومؤسساتياً في آنٍ معاً. مصرف لبنان، بدعم من المصارف التجارية، عمد إلى هندسات مالية كرّست سياسة دعم الأغنياء على حساب الفقراء. أموال الناس احتُجزت، والمودعون حُرموا من أبسط حقوقهم، فيما استمر النافذون في تهريب ثرواتهم إلى الخارج. تقرير للبنك الدولي صدر في حزيران 2022 وصف ما حدث في لبنان بأنه “حرمان متعمّد” من قبل الطبقة السياسية، التي قامت بنقل الخسائر المالية من المصارف إلى المواطنين.
ولعلّ المفارقة الأكبر أن هذا الانهيار الشامل لم يطَل الجميع. ففي الوقت الذي كان فيه الموظف يبحث عن ربطة خبز مدعومة، كانت فئة صغيرة من المستثمرين العقاريين والنافذين تُبرم صفقات بالدولار النقدي وتبني مشاريع فاخرة على الساحل والجبال. أظهرت بيانات حديثة أن 1% فقط من اللبنانيين يملكون أكثر من 40–45% من مجمل الثروة في البلاد، فيما يحصل نصف السكان الأكثر فقراً على أقل من 10% من الدخل.
وبينما تتهاوى فرص البقاء، تتآكل الخدمات العامة بالتوازي مع الطبقة الوسطى. المدارس الرسمية، التي لم تكن يوماً أولوية للدولة، باتت تستقبل مئات الآلاف من التلامذة الذين لم يعد أهاليهم قادرين على تحمّل كلفة التعليم الخاص. لكن الانهيار طاول التعليم الرسمي نفسه: معلمات ومعلمون لا يتقاضون رواتبهم، إضرابات مفتوحة، وغياب شبه كلي لأي خطة إنقاذ. الأمر ذاته ينطبق على المستشفيات الحكومية، التي تُدار اليوم بتمويل جزئي من المنظمات الدولية، وغالبًا ما تفتقر إلى المعدات والأدوية. في الجنوب، زاد الوضع سوءً بفعل الحرب والدمار الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية خلال العامين 2023–2024، ما رفع نسبة الفقر في بعض القرى إلى أكثر من 90%.
ومع تفكّك هذه الشبكات الاجتماعية التي كانت تؤمّن الحد الأدنى من التوازن، تفكّكت الهوية الطبقية للمجتمع اللبناني. لم تعد هناك “طبقة وسطى” بالمعنى الكلاسيكي. أصبحت هناك فئة صغيرة تعيش في فقاعة من القدرة الشرائية بالدولار، وأكثرية ساحقة تعيش على ما يُرسله الأقرباء من الخارج، أو ما تتلقاه من مساعدات أممية أو حزبية أو عائلية.
هذا التحول البنيوي ليس له فقط تبعات اقتصادية، بل سياسية وثقافية أيضاً. إذ إن اختفاء الطبقة الوسطى يعني زوال الطبقة التي كانت تضغط على الدولة من أجل الإصلاح، التي كانت تنتج الأفكار، تساهم في بناء الرأي العام، وتخلق توازناً بين رأس المال والطبقات العاملة. من دونها، يصبح المجتمع هشاً، سهل الانقسام، قابلاً للاستغلال السياسي والمذهبي، وغير قادر على المطالبة بأي نوع من العدالة.
في العام 2025، أشارت تقارير البنك الدولي إلى تحسّن طفيف في النمو الاقتصادي بنسبة 4.7%. لكنه نمو هش وغير شامل، لا ينعكس على الفئات الفقيرة، ولا يعيد الطبقة الوسطى إلى مكانها. إذ إن هذا النمو مدفوع بالتحويلات من الخارج والسياحة، لا بإنتاج فعلي أو إصلاح هيكلي. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من إقرار قانون لإصلاح القطاع المصرفي وتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان مطلع 2025، يبقى المسار الإصلاحي بطيئاً ومتعثّراً بفعل تضارب المصالح السياسية والمالية. بمعنى آخر: لبنان يتحسّن رقمياً، لكنه ينهار اجتماعياً.
لا يبدو في الأفق أي مشروع لإعادة بناء الطبقة الوسطى، لا من الدولة، ولا من النخبة السياسية والمالية. الحديث عن إصلاحات اقتصادية يبقى شعارات متكررة، في ظل غياب الإرادة، وانعدام الشفافية، ووجود تضارب مصالح حاد بين من يُفترض أنهم أصحاب الحل، وبين من تسببوا بالمشكلة أساساً.
في ظل هذا الواقع، يُطرح السؤال: هل يمكن إنقاذ مجتمع من دون طبقة وسطى؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تذهب إلى قلب الأزمة اللبنانية: إذا لم تُعد الدولة النظر في أولوياتها، وتكفّ عن دعم رأس المال الكبير على حساب الفئات المنتجة، وإذا لم يُعد توزيع الثروة بشكل عادل وتُحمّل المصارف والمضاربين كلفة الانهيار، فإن لبنان سيبقى بلا ظهر اجتماعي، بلا إنتاج، بلا عدالة، وبلا أمل.
الطبقة الوسطى لم تختفِ لأن الأرقام تغيّرت فقط، بل لأنها سُحقت عن قصد، في عملية متكاملة من الإفقار الممنهج، والتدمير الطبقي. إن لم يكن هناك مشروع سياسي واقتصادي يُعيد الاعتبار لهذه الطبقة، فإن ما تبقّى من لبنان سيتحوّل إلى مساحة بين طبقتين: من يملك كل شيء، ومن لا يملك شيئاً.