6 Apr 2026
Like this post
بعد قرابة 24 ساعة على الغارة التي طاولت منطقة عين سعادة٬ لم تظهر أي معطيات توضح ما حصل٬ غير بيان مقتضب للجيش اللبناني٬ وحتى اللحظة، لم يتم تأكيد تفاصيل الاستهداف أو هوية الهدف بشكل رسمي، ما يجعل هذا النص مقاربة عامة لواقع تكرّر في محطات سابقة، وقد يتكرر مستقبلاً في ظل استمرار نمط الاستهدافات داخل مناطق مدنية.
هذه الحوادث، تعكس إشكالية واضحة: إدخال عناصر وشخصيات منخرطة في الحرب إلى قلب الأحياء السكنية، بما يحوّل هذه المساحات “الآمنة” نظرياً إلى نقاط خطر فعلي وتهديد مباشر لحياة المدنيين الذين لم يختاروا أن يكونوا جزءاً من هذه المواجهة.
في هذا السياق، برزت أصوات تنتقد حالة الخوف والهلع التي تصيب السكان، وتتعامل معها وكأنها مبالغة أو ضعف. لكن هذا الطرح يغفل حقيقة بديهية: أن الناس ليسوا سواء في ردود أفعالهم، وأن الصدمة تُترجم بطرق مختلفة. هناك من اعتاد على أصوات الحرب، وهناك من لم يختبرها كثيراً. وهناك، ببساطة، من اختار أن يعيش حياته بعيداً عن منطق القتال والموت، ولا يمكن تحميله مسؤولية رد فعله حين يجد نفسه فجأة في قلب خطر لا علاقة له به.
في المقابل، هناك فئة أخرى اختارت الانخراط في المواجهة، وهي تدرك مسبقاً أنها ضمن دائرة الاستهداف. في ظل جبهة مفتوحة، لا تبدو إسرائيل معنية بالتمييز بين مدني وعسكري، ولا بين موقع قتالي وآخر سكني. هذا الواقع، سواء تم تبريره أو إدانته، يبقى قائماً وذا نتائج واضحة: أي تواجد مرتبط بالصراع داخل الأحياء السكنية يرفع منسوب الخطر على كل من حوله.
أما الجدل حول “اتهام من”، فيبدو أقل جدوى في هذا السياق. فالعالم بأسره يدرك أن إسرائيل هي من تنفّذ القصف وتقوم بهذه الاستهدافات، وهذا أمر موثّق ومعروف ولا يحتاج إلى إعادة تأكيد. لكن الاكتفاء بهذا الاتهام، رغم أهميته الأخلاقية والسياسية، لا يقدّم حلاً عملياً يحمي الناس على الأرض.
المنطقي أكثر، والملحّ اليوم، هو التفكير في كيفية تقليل الخسائر البشرية والدمار. ومن هذا المنطلق، يصبح إبعاد أي شخص أو نشاط مرتبط بالصراع عن المناطق السكنية خطوة أساسية، لا كخيار سياسي بل كإجراء وقائي لحماية المدنيين. فحين يكون الخطر معروفاً ومستمراً، يصبح تجنّبه، قدر الإمكان، مسؤولية لا تقل أهمية عن أي موقف آخر.
في النهاية، لا يمكن مطالبة المدنيين بالشجاعة في مواجهة ما لم يختاروه، ولا يمكن التقليل من خوفهم أو تحميلهم أعباء صراع لم يكونوا جزءاً منه. وبين من اختار طريق المواجهة ومن اختار البقاء خارجها، تبقى الأولوية لحماية حياة من لا صوت لهم في هذه المعادلة، لأن الخسارة، في كل مرة، تكون أكبر من أي تبرير.