15 May 2025
Like this post
ملف انفجار مرفأ بيروت، الذي ظلّ معطّلاً لسنوات بفعل تدخلات سياسية وأمنية، بات يشهد تطورات ملحوظة اليوم. ففي خطوة قضائية غير مسبوقة، مثُل رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب أمام المحقق العدلي القاضي طارق بيطار في نيسان الماضي، إذ خضع لاستجواب استمر ساعتين ونصف تناول فيه مسؤوليته عن إحالة الملف إلى المجلس العدلي، ومسألة الصلاحية بين المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والقضاء العدلي العادي. كذلك، خضع وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق للاستجواب بعد امتناعه سابقاً عن المثول، وتقديمه طلباً لرد القاضي بيطار، رُفض لاحقاً من محكمة الاستئناف.
في هذا السياق، أوضح ويليام نون، شقيق جو نون أحد ضحايا الانفجار وعضو لجنة أهالي الضحايا، أن وزير العدل عادل نصار، ساهم بتجديد التعاون مع الفرنسيين في ملف انفجار المرفأ. وقال عبر منصة “نقد” إن “عدة زيارات ستُنفذ، وهذه الزيارة الأولى التي تمت، وهناك زيارة مؤكدة قريباً”. كما أوضح أن “موضوع الأقمار الاصطناعية كان مطروحًا، وأن القاضي بيطار قدّم طلباً إلى 13 دولة يُفترض أن تكون لديها هذه الأقمار”، مضيفًا: “نعتقد أن الوضع الآن أفضل من قبل؛ إذ إن هناك دولة كانت قد صرّحت بعدم امتلاكها لها، ودولة أخرى لم تصرّح سابقاً، لكنها عادت وتفاعلت مع وزارة العدل، التي بدورها تحرّكت في هذا الملف بشكل قوي جداً. وهذه خطوة إيجابية للغاية”.
وحول ما إذا كان قد تم الاطلاع على ما أظهرته صور الأقمار الاصطناعية، أجاب نون: “لا، لكن أود أن أوضح أن الفرنسيين أطلقوا تقريراً عن التربة، أي أنهم أجروا تحليلاً للتربة لمعرفة ما إذا كانت تحتوي على مواد متفجرة. وركّزوا بشكل خاص على سبب الانفجار في المرفأ، وعلى كيفية حصوله خلال 4 أيام. التقرير لم يكن متعلقاً بموضوع السفينة، أو من كان يتحرك أو يموّل، بل كان تقريراً تقنياً بحتاً”. وأكد أن “التعاون مع الجانب الفرنسي لا يزال مستمراً، وحتى إن لم يكونوا موجودين في بيروت، سيبقى هناك تواصل بينهم وبين مكتب المحقق الدوليّ”.
وعن احتمال صدور تقرير نهائي، قال نون: “في الحقيقة، هم لم يسلموا تقارير نهائية، مع أنهم يمتلكونها. لكن يُعتقد أن الجهة الفرنسية التي من المفترض أن تزور لبنان قريباً، قد تسلم تقريراً نهائياً بالفعل”.
مثول دياب والمشنوق أمام القضاء
وفيما يتعلق باستجواب الوزير الأسبق نهاد المشنوق ورئيس الحكومة الأسبق حسان دياب، أشار نون إلى أنه “من المؤكد أن تقريراً وصل إلى المشنوق، لكنه بالتأكيد دافع عن نفسه في التحقيق”. ولفت إلى أن “الاثنين، أي المشنوق ودياب، يجمع بينهما أمر مشترك؛ إذ قالا إن مثولهما أمام المحقق العدلي كان من باب تسهيل التحقيق وإثبات حسن النية، لكنهما يعتبران أن الجهة المخوّلة بمحاكمتهما هي المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وبالتالي فإن حضورهما لا يعني اعترافاً بالصلاحية. ومع ذلك، كلنا نعلم أنه لولا تغيّر المناخ السياسي، لما كانا قد مثلا أمام القضاء”.
وأوضح نون أن “دياب هو رئيس الحكومة الأول الذي يمثل أمام العدالة، وهذا يُعدّ سابقة لم تحدث من قبل. أما بالنسبة لنهاد المشنوق، فإن مثوله كسر، إذا صح القول، الاتفاق الضمني أو الوعد الذي كان سائداً بين بعض الوزراء، ومفاده ألّا أحد سيمثل أمام القضاء، لكن ما حصل أظهر أن كل من يُطلب للتحقيق، سيحضر. وهذا يُعدّ مؤشراً إيجابياً”.
كما قال إن “موقف القاضي طارق البيطار جاء بعد خطوة القاضي الحجار، الذي أعاد تفعيل التعاون بين المحقق العدلي والنائب العام، بعد أن كان مقطوعاً بالكامل. هذه الخطوة ساعدت في تحريك الملف”. وتابع أن “هناك دعوى قائمة بحق القاضي البيطار منذ فترة من قبل القاضي غسان عويدات. وتم تشكيل الهيئة الاتهامية، وهي مؤلفة من ثلاثة قضاة، وستنظر فيما إذا كان القاضي البيطار قد ارتكب أي مخالفات. الهيئة تشكلت فعلاً، والمنتظر الآن هو صدور قرار من حاكم التحقيق بشأنها”.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان التحقيق قد شارف على نهايته، قال نون: “نعم، صحيح. من المفترض أنه اقترب من نهايته، لكن يُعتقد أن هناك بعض الأشخاص الذين لا يزال يجب الاستماع إليهم. أعتقد أن غازي زعيتر من بينهم، إذا لم أكن مخطئاً”.
وشدّد نون على أن “نهاد المشنوق وحسان دياب ليسا مجرد متهمين فقط، بل إن التحقيق أظهر مؤشرات على وجود مسؤولية ما عليهما. لكن، بصراحة، لا يمكن القول حتى الآن إن هناك إثباتاً بوقوع جرم مقصود أو إهمال واضح، لأن هذه المسألة لم تُحسم بعد من قبل القضاء”. وختم: “المؤكد أن كلاهما استُدعيا بصفة مدعى عليه، لا كشاهد، وهذا يعني أنهما متهمان رسمياً. وحضرا أمام المحقق العدلي بهذه الصفة”.
إفادات متضاربة
كما أطلعتنا مصادر خاصة أن استجواب حسان دياب سبقته جلسة استماع للمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا. وبرزت تناقضات واضحة في الإفادات، خصوصاً فيما يتعلق بزيارة وفد من أمن الدولة إلى رئاسة الحكومة، وكيف تم التغطية على تفاصيل هذه الزيارة، وما الذي حصل فعلياً خلالها. وأدت إفادة دياب إلى تحميل اللواء صليبا مسؤولية في هذا السياق.
الإطار القانوني وتحديات الحصانات
أما في الشق القانوني، أوضح المحامي شكري حداد أن الجريمة موضوع التحقيق مبنية على عدة مواد قانونية، معطوفة على المادة 189 من قانون العقوبات اللبناني، التي تتعلق بـ”القصد الاحتمالي”. وشرح قائلاً: “القصد الاحتمالي يعني أن يكون الشخص على علم بخطورة الأمر، لكنه لا يتخذ أي إجراء لوقفه، ما يؤدي في النهاية إلى نتيجة جرمية”.
أما فيما يتعلق بالمسؤوليات، لا سيما تلك التي تطاول شخصيات مثل المشنوق وحسان دياب، فقد فضّل حداد عدم الخوض في التفاصيل حول أسماء معينة، مشيراً إلى أن “المواد القانونية تطاول الجميع من دون استثناء”. وأكد أنه “في حال ثبوت المسؤولية، يُذكر اسم الشخص المعني في القرار الظني، ويُحال الملف عندها إلى المجلس العدلي، وتبدأ المحاكمة”.
وشرح أن “المحاكمة أمام المجلس العدلي تُقام وفقاً للأصول المتبعة أمام محكمة الجنايات، وتشمل مراحل عدة، من بينها الاستجواب، والاستماع إلى الشهود، وتقديم المرافعات، لتنتهي بصدور الحكم النهائي الذي يحدّد المسؤولية، ونوع الجرم، والعقوبة أو التعويضات المترتبة عليه”.
كما أشار إلى أن “القرار الظني لا يعني إدانة نهائية، بل هو خطوة أولية تمهد للاستجواب أمام جهة قضائية عليا، تُبنى على أساسه المرحلة التالية من المحاكمة”. وفي ما يتعلق بالحجج المرتبطة بالحصانات القانونية، أوضح أن “المدعى عليهم قد يتقدمون خلال المحاكمة بما يُعرف بالدفوع الشكلية، وهي اعتراضات قانونية تطعن بصلاحية المجلس العدلي للنظر في الملف، بحجّة أن المحاكمة يجب أن تتم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”.
وفي هذه الحالة، يتعين على المجلس العدلي أن يبتّ في مسألة الصلاحية، فيقرر إمّا الاستمرار في المحاكمة، أو التنحّي لصالح المجلس الأعلى المختص. وأضاف المحامي شكري حداد أن “السلطة القضائية ماضية في النظر في الملف، وأن الاستدعاءات تأتي نتيجة أدلة كافية تصل الى المحقق العدلي”.
وفي ختام حديثه، شدّد حداد على “ضرورة توخي الدقة في وصف الوقائع”، مشيراً إلى أن “الملف لا يزال في مرحلة الظن ولم يُصدر بعد قرار اتهامي رسمي، وأن الأحكام تصدر فقط بعد انتهاء مراحل المحاكمة واستنفاد وسائل الدفاع كافة، وفقاً للأصول القانونية المرعية”.
بين محاولات تسريع التحقيقات وتحديات الحصانات، يبقى ملف المرفأ مفتوحاً على احتمالات قضائية وسياسية متعددة، بانتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من المحاكمة.