سيناريوهات إيران ومأزق البدائل

سيناريوهات إيران ومأزق البدائل

النظام الإيراني الذي وصل إلى الحكم عبر ثورةٍ شعبية، قد يجد نفسه اليوم مهددًا بالسقوط بسبب ثورةٍ شعبيةٍ جديدة.
فهذا النظام الذي وعد شعبه بتطبيق الشريعة الإسلامية، فَعَلَ عكس ما تعهّد به تمامًا. فالدين الذي يكرّم الإنسان ويصون حقوقه، حوّله النظام إلى أداةٍ للقمع وتقييد الحريات، وفرض قيودًا صارمة على المرأة، مجبرًا إياها على قراراتٍ تمسّ حياتها وكرامتها. وبهذا، نسف النظام كلّ النضالات والتضحيات التي خاضتها المرأة عبر الزمن لنيل حريتها وحقوقها.

لكنّ النظام أدرك، وإن متأخرًا، أنّ الإرادة الشعبية أقوى من أي سلطة.

فالفيلسوف جان جاك روسو يرى أن الحكّام ليسوا سوى أداةٍ لتطبيق الإرادة العامة، غير أنّ الشعب الإيراني لم يرَ سوى القمع يُمارَس عليه، من دون أن تُحترم إرادته العامة أو تُجسَّد في السياسات العامة. ومن الطبيعي، كما يقول جون لوك، أن يثور الشعب لتغيير الطبقة الحاكمة حين تفشل في حماية حقوقه الطبيعية وصونها.

ويعلّمنا التاريخ أنّ النظام الذي يُكثّف من قوة جيشه لحماية نفسه، إنما يسرّع من سقوطه. فسقوطه لا يكون بتدخلٍ خارجي، بل على يد شعبٍ يتوق إلى استعادة حريته والعيش بكرامة من جديد.

وعلى الرغم من ذلك، استطاعت إيران لسنوات أن تفرض نفسها لاعبًا إقليميًا يُحسب له حساب. فقد عمل النظام على التدخل في شؤون دول أخرى، ودعم حلفائه في المنطقة لتعزيز نفوذه وحماية بقائه، كما استغل الدين في بعض البلدان لاكتساب شعبيةٍ واسعة. إلا أنّ هذا الاستغلال السياسي للدين يكشف، في جوهره، عن نظامٍ لا يمتّ إلى القيم الدينية الحقيقية بصلة.

ونتيجةً لسياساته الإقليمية، وجد النظام الإيراني نفسه في مواجهة خصومٍ يسعون لاحتوائه، وفي مقدمتهم إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وتتجلّى حدّة العداء بين هذه الأطراف بوضوح، إذ تمتلك كل دولةٍ أيديولوجيتها الخاصة وأهدافها الاستراتيجية، ما يؤدي إلى تصادم الأفكار وتفاقم الصراع، وصولًا إلى محاولات الإقصاء المتبادل وإلغاء الآخر.

وفي هذا السياق، برزت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الداعمة للاحتجاجات داخل إيران، إذ دعا المتظاهرين إلى الاستمرار في تحركاتهم، وحثّهم على الاستيلاء على زمام المؤسسات، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستعمل على إضعاف النظام الإيراني. كما شدّد ترمب على أن الهدف النهائي لبلاده هو “الانتصار” في المواجهة مع النظام الإيراني، مستشهدًا بعملياتٍ سابقة استهدفت قادةً تصفهم واشنطن بالإرهابيين، بوصفها دليلًا على العزم والإصرار الأميركيين.

لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: إلى أي مدى ستتأثر إيران والمنطقة بأسرها في حال سقط النظام الإيراني؟ 
 
انعدام البدائل وخطر الانزلاق إلى صراع داخلي

إن انهيار النظام الإيراني من دون وجود قوة سياسية جامعة قد يفتح الباب أمام حالة من الفوضى الواسعة، تتخذ شكل نزاعات داخلية حادة قد تتطور إلى حرب أهلية. ففي ظل هذا الفراغ، قد تتحرك الجماعات القومية والإثنية المختلفة، كالأكراد والعرب واللور والبلوش، سعيًا لتأمين مصالحها والدفاع عن وجودها، وربما للمطالبة بنصيب من السلطة أو فرض نفوذها على مؤسسات الحكم. ومن شأن هذا المشهد المضطرب أن يقود إلى تآكل سلطة الدولة المركزية وتفكك بنيتها، لا سيما في المناطق الاستراتيجية كالمناطق الساحلية المطلة على الخليج العربي، إذ قد يؤدي ضعف الرقابة إلى صراعات على النفوذ ومحاولات للسيطرة على الموارد النفطية الأساسية.

انعكاسات الفوضى على النفط

إن وقوع مناطق إنتاج النفط أو خطوط الملاحة البحرية تحت سيطرة ميليشيات أو قوى محلية، ولا سيما في المناطق الساحلية المطلة على الخليج العربي، من شأنه أن يقوّض السيطرة على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. وسيترتب على ذلك اضطراب في حركة الشحن البحري وتهديد مباشر لإمدادات الطاقة، الأمر الذي سينعكس بارتفاعات حادة وعدم استقرار في أسعار النفط على المستوى الدولي. وتُعد هذه التداعيات مصدر قلق بالغ للولايات المتحدة، كما للدول الخليجية، التي تسعى لتجنّب أي حالة فوضى قد تؤدي إلى اختلال أسواق النفط، خصوصًا في ظل التحديات والضغوط الاقتصادية الراهنة.

اتساع النفوذ الروسي والصيني في مرحلة ما بعد الانهيار

من أبرز الهواجس لدى صانعي القرار في واشنطن أن يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى نشوء فراغ استراتيجي تُسارع موسكو، وربما بكين، إلى استثماره لتعزيز نفوذهما في المنطقة. ففي ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات دولية شديدة التعقيد، كالنزاع في أوكرانيا، إلى جانب تصاعد التوترات المحتملة بين الصين وتايوان، تبدو واشنطن غير مستعدة لتحمّل عبء إدارة أزمة إيرانية واسعة النطاق أو فتح ساحة صراع إضافية في هذا التوقيت الحرج. كما تدرك الإدارة الأميركية أن روسيا لن تسمح لها بالانفراد بثمار هذا التحول الجيوسياسي، تمامًا كما أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تمدد روسي غير محسوب.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى استمرار النظام القائم (رغم تعقيداته) بوصفه عاملًا يحد من الفوضى ويضبط التوازنات الأمنية، بما يسمح للولايات المتحدة بتوجيه اهتمامها ومواردها إلى أولويات دولية أخرى.

في الختام، من غير المرجّح أن يُقدِم المجتمع الدولي على إسقاط النظام الإيراني ما لم يتوافر بديل سياسي واضح، متماسك، وقادر على إدارة مرحلة ما بعد السقوط، وذلك استنادًا إلى جملة العوامل التي تم تناولها سابقًا.
وفي هذا السياق، لا يبدو ترمب متحمّسًا لدعم ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، إذ لم يقدّم أي دعم صريح له، ولم يمنحه ما يُعرف بـ”الضوء الأخضر” بوصفه بديلًا محتملًا للنظام القائم، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لم تبلغ بعد تلك المرحلة.

إن سقوط النظام في غياب بديل سياسي جاهز سيؤدي حتمًا إلى فراغ في السلطة، وهو فراغ يُرجّح أن يتحوّل إلى صراعات داخلية بين المكوّنات والأقليات المختلفة، بالتوازي مع تدخل القوى الإقليمية والدولية في محاولة لملء هذا الفراغ.

مثل هذا السيناريو من شأنه أن يفرض على واشنطن تدخلًا مباشرًا أو غير مباشر، بما يزيد من الأعباء الاستراتيجية والسياسية الملقاة على عاتقها. ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستغربًا تراجع ترامب عن خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران؛ إذ إن أولويته الاستراتيجية تتمحور حول احتواء الصين، وهو لا يرغب في الانخراط في أزمة إضافية قد تفتح المجال أمام بكين لتعزيز نفوذها على حساب المصالح الأميركية.