17 Apr 2026
Like this post
في مشهدٍ يكشف تناقضات الخطاب الإعلامي أكثر مما يكشف عن شخصيةٍ بعينها، وجدت صحيفة “الأخبار” نفسها في قلب عاصفةٍ لم تكن تتوقعها.
العنوان هذه المرة ليس خصماً سياسياً ولا “اتهاماً جاهزاً” بالصهيونية، بل اسمٌ أثار جدلاً واسعاً: ميا خليفة.
لسنواتٍ طويلة، بَنَت “الأخبار” خطابها على ثنائية حادة:
مع أو ضد،
مقاوم أو صهيوني.
مفرداتٌ تحوّلت مع الوقت إلى أدوات جاهزة، تُستخدم بكثافةٍ لدرجة أنها فقدت الكثير من معناها الأصلي في الوعي العام. فحين يصبح نصف البلد “صهيونياً” وفق هذا المنطق، تفقد التهمة وزنها، وتتحول من توصيفٍ سياسي خطير إلى كليشيه مستهلك.
لكن المفارقة برزت بوضوح عندما تناولت الصحيفة شخصية ميا خليفة، مقدّمةً إياها بصفتها “ممثلة وناشطة”، مع سرديةٍ مطوّلة عن تجربتها الشخصية القاسية، وتحولاتها المهنية، ونشاطها الإعلامي.
هذا التناول، الذي سعى لفصل الماضي عن الحاضر، طرح سؤالاً بديهياً: متى اعتمدت “الأخبار” هذا المعيار مع الآخرين؟
أو لنقل الأمور كما هي، اعتمدته لأن ميا خليفة – بغض النظر عن رأيكم فيها – عبّرت عن رأي سياسي، ضدّ إسرائيل، ويتماشى بطريقة أو بأخرى مع جزء من سرديّة “الأخبار”.
الصحيفة التي لطالما خاضت معاركها بتوصيفات قاسية، تصل أحياناً إلى حد “التكفير السياسي”، وجدت نفسها فجأة في موقع الدفاع عن فكرةٍ كانت ترفضها ضمنياً: أن الإنسان لا يُختزل بماضيه؛ فقط لأن
هذا التحول لا يبدو مجرد اجتهادٍ مهني، بل يكشف خللاً أعمق في بنية الخطاب نفسه، حيث تُفصّل المعايير بحسب الظرف، لا المبدأ.
المسألة هنا لا تتعلق بميا خليفة بقدر ما تتعلق بسقوط سرديةٍ كاملة.
سرديةٌ قامت على إطلاق الأحكام، وعلى استخدام مفردات كبرى — كـ”الصهيونية” — بوصفها سلاحاً يومياً في وجه الخصوم. وعندما تُستنزف هذه المفردات في الاستعمال، تفقد قدرتها على الإقناع، بل تنقلب على مستخدمها.
الأخطر في هذا المشهد ليس التناقض بحد ذاته، بل انكشافه. فالمنبر الذي اعتاد محاكمة الآخرين على تفاصيل حياتهم، يطالب اليوم بفصل الشخصي عن السياسي عندما يناسبه ذلك. وحين تُستخدم الأخلاق كأداةٍ انتقائية، لا يبقى من الخطاب سوى صداه.
في النهاية، لا تسقط الشخصيات بقدر ما تسقط المعايير. وما حصل ليس “زلّة تحريرية”، بل لحظة كاشفة لأزمة خطابٍ كامل، قد يكون أرهقه الإفراط في الاتهام أكثر مما أرهق خصومه.