عامٌ على استعادة سوريا

عامٌ على استعادة سوريا

لم يكن سقوط بشار الأسد ونظامه المجرم لحظة سياسية فقط…
كان زفير بلدٍ اختنق نصف قرن، شهقة طويلة علقت في صدر ملايين البشر، وآن أوان خروجها.

في تلك الليلة، شعر السوريون أن الأرض التي داسها الرعب طويلاً بدأت تستعيد نبضها.
لم يكن أحد بحاجة لخطابات، ولا لشعارات…
كان يكفي أن يسمعوا دقّات قلوبهم للمرة الأولى بلا خوف.

في الذكرى السنوية الأولى للسقوط،
لا يمكن لسوريا أن تقف على قدميها من جديد من دون أن تنحني احتراماً لأولئك الذين دفعوا أثماناً لا تُحصى:

لأرواح الشهداء،
لمن رحلوا قبل أن يروا هذا الضوء،
لشبابٍ حملوا أحلامهم في صدورهم كما يحمل الطفل دفتراً جديداً…
ورحلوا كي يبقى لغيرهم حقّ أن يعيش ويكتب.

لثوّار الميادين والساحات،
لمن وقفوا بصدورهم العارية أمام آلة الخوف،
لمن صمدوا لأن الوطن كان يستحقّ،
لمن آمنوا أن الحرية تُنتزع… ولا تُمنَح.

للمعتقلين والمعتقلات،
لمن عرفوا معنى الظلام الحقيقي،
لمن تجرّعوا العذاب كي يبقى صوتهم حيّاً،
لمن خرجوا من جدران الموت وهم يحملون في عيونهم ألف حكاية لم تُكتب بعد.

في 8 كانون الأول 2024،
نزل السوريين إلى الشوارع، لا ليحتفلوا فقط، بل ليبكوا.
دموعٌ لم تكن حزناً ولا فرحاً بالكامل…
كانت دموع راحة، دموع من خرج من تحت الأنقاض الروحية،
دموع أمٍّ تبحث في السماء عن روح ابنٍ ضاع قبل أن يرى هذا النهار.

فجأة، بدا وكأن سوريا تسترجع صوتها.
ضحكة الأطفال، عرَق العمّال، رائحة الخبز،
صوت العود في الحارات التي حاول الخوف إسكاتها…
كلّها عادت تقول:
“أنا هنا… كنت مختبئة، واليوم أعود للحياة”.

الحرية إحساسٌ في الجسد.
أن تمشي بلا حاجز،
أن تتكلّم بلا خوف،
أن تحلم بلا رقيب.
كانت الحرية في تلك اللحظة تشبه هواءً بارداً بعد صيفٍ خانق.

الفرح كان كبيراً، لكنه لم يكن صافياً.
هناك بيوت بلا أهلها، كراسٍ بلا أصحاب،
وجراح لا تُشفى بالزمن وحده.
لكنّ السقوط فتح باباً جديداً، باباً اسمه: الشفاء الممكن.

بعد عام، تقف سوريا أمام مرآة كبيرة،
ترى وجهها المتعب… لكنّ عينيها تلمعان.
ترى جروحاً كثيرة… لكنّ خلف الجروح، بذرة وطنٍ يُعاد بناؤه بالعدالة والكرامة لا بالخوف.

وحين سقط النظام،
لم تسقط سوريا…
سقط الطاغية ونهضت سوريا.