14 Mar 2026
Like this post
في حين أن روتين الحياة بالأساس يستنزف صاحبه في كثير من الأحيان، وبمعظم الأوقات لا مهرب منه، تأتي الحرب لتجعله السلاح الذي يقتل الإنسان ببطء، وإبرة لا تتوقف عن وخز روحه ونفسه في كل لحظة على مدار ساعات يقظته كافة، التي طالت أساساً مع عودة الحرب.
النازحون انكسر روتين حياتهم مع نزوحهم، ودخلوا في صراع مباشر من أجل البقاء والاستمرار.
إلا أن آلافاً آخرين، أولئك الذين يستمرون بأعمالهم ويحاولون المضي قدماً بعاداتهم اليومية، دخلوا صراعاً آخر.
يستيقظون صباحاً، يتجهزون، ويخرجون إلى طرقات خفّت زحمتها إلى النصف، متجهين نحو مكاتبهم. يدخلون إلى أماكن عملهم متصنّعين أنه لا وجود لحرب وقصف ودمار لثلث لبنان، متجاهلين فكرة أن الإسرائيلي ربما قد يجلس معهم غداً إلى طاولاتهم، وأن حزب الله يزيد من وتيرة عملياته الانتحارية يوماً بعد يوم.
يضعون البسمة على وجوههم لينطلقوا بنهارهم، وهم على غير دراية ما إذا سيتمكنون من إكمال دوامهم حتى نهايته، أم أن إنذاراً إسرائيلياً سيعلن أن دورهم في القصف قد حان.
ربما لا يكملون الدوام، وربما يكملونه.
ربما سيهرعون في منتصف النهار إلى سياراتهم، محاولين الهروب قبل قصفٍ آخر وتكوّن موجة نزوح إضافية بعد إنذار إسرائيلي توسّعي جديد.
وربما لن يأتي أي إنذار، فيتابعون يومهم حتى المساء.
لكن في كلتا الحالتين سيعودون إلى منازلهم مثقلين بالقلق والتشاؤم، ليجلسوا أمام شاشات الأخبار، ينتظرون الغارة الأولى التي ستفتح باب ليلةٍ عنيفة جديدة، مترقبين ما إذا كانت عيونهم أو آذانهم ستسبق بإعلام عقولهم عن سقوط الغارة الأولى.
أما النوم، فأصبح شحيحاً.
قسمٌ يسهر الليل قسراً جرّاء أصوات الطائرات والانفجارات، وقسمٌ آخر يسهره طوعاً، بدافع فضولٍ قلق ينتظر الغارة التالية والبقعة المقبلة. يطيل هؤلاء ساعات يقظتهم ليبقوا على اطلاع بكل ما يحصل، حتى لا تفوتهم غارة، وليذهبوا في اليوم التالي إلى العمل حاملين معهم بعض النقاشات السياسية والعسكرية السريالية، الممزوجة بقدرٍ خفي من القلق والخوف.
هذا ولم نحكِ عن رحلة الطريق من وإلى العمل، التي تُشعر سالكها كشخص ضائع وضائجٍ، محتارٍ بين زيادة سرعة سيارته ليصل بأسرع وقت خوفاً من القصف، وبين أن يخفضها لأن أحداً لم يعد في كامل تركيزه، وقد يقع حادث سير في أي لحظة.
يوماً بعد يوم، يتكرر المشهد: من المنزل إلى العمل، ثم العودة إلى المنزل، ثم انتظار قصف الليل العنيف الذي يهدأ قليلاً مع صباح اليوم التالي. هكذا أصبح روتين كثير من اللبنانيين في هذه الحرب.
روتين يا ليت لو يمكن كسره، ومحوه، أو حتى القفز فوقه.
إلا أنه، على الرغم من قساوته، يبقى بكل تأكيد أرحم من روتين النازحين الجديد، أولئك الذين أثقل روتين الحياة كاهلهم إلى حدّ لا يتصوّره عقل.
وفي لحظة تفكير بيني وبين نفسي، حزنت على ذاتي الصغيرة التي لم تكن تتخيّل يوماً أن روتينها العملي قد يسير في هذا الاتجاه. وعلى الأرجح، لم يكن أحد يتخيّل ذلك أيضاً.
يا ليت لو ينكسر هذا الروتين.
لكننا نعرف في قرارة أنفسنا أنه، في هذه اللحظة بالتحديد، لا مهرب منه ولا بديل عنه.
فالحياة، رغم كل شيء، يجب أن تستمر. وأعمالنا يجب أن تستمر. ونحن أيضاً، لا بد أن نصمد… ونستمر.