29 Jul 2025
Like this post
انتهى فصل تلوين أغنية فيروز.
هكذا يمكن أن نلخّص وفاة زياد الرحباني المفاجئة.
هو ليس مجرّد نجل فيروز، بل ناقد لتجربتها، دخل بشجاعة ومغامرَة مراهقٍ موهوب إلى أدبيّات الأخوَين الرحباني، لحناً وكلمة، وكسر أصنام السائد فيها.
رحيل زياد يعني أننا لن نجد جواباً لسؤال: “كيفك إنتَ؟ ملّا إنتَ.”
صباح تشييعه، لن يسمعه “رضا”، لأن كلّ الكلام تناثر في برزخ الهناك.
هو الذي رثى الجميع، أطفأ الضوء في ردهة التجربة… ثم رحل.
تاركاً علبة سيجارته، متحرّراً من أوجاع الظهر التي لازمته بسبب ملاصقته للبيانو.
صالح أمّه… وسحرها.
صالح مادته الحديثة، المكثّفة، بصوت فيروزيّ سريع… ثم غاب.
في الفنّ، نحن مدينون له بجرعاتٍ إبداعيّة وبسهولةٍ ممتنعة.
كان كالمغرفة التي لملمت جُملنا، وحوّلتها إلى تفاصيل رنّانة متألّقة.
زياد الفنان يستحقّ الورود… يستحقّ الربيع، ويستحقّ جلساتٍ طويلة لنفهمه.
علّنا، في فهمه، نعثر على أنفسنا مرّة.
أمّا زياد المفكّر، ذاك الذي جنح يساراً نحو الجهة التي تخوّل عبد الناصر كتابة معاهدة، ونحو الجهة التي تمركز فيها كاسترو وغيفارا، ونحو الجهة التي اختارها في حربٍ لبنانيةٍ امتدّت لعقدٍ ونيّف… لم يعد هو ذاته بعد اتفاق الطائف.
لقد انجرف، يوماً، مع الاستثناء الذي أُحاط بمفردة “المقاومة” — استثناءٌ في أسلمتها، وفي مسايرة زعمائها، وفي تقريظ أدبيّاتهم الخطابية.
زياد الرحباني أيضاً مادّة قابلة للنقد.
ننتقده بمحبة، لا لنسف مكانته، بل لأنّه مثقّفٌ كان قادراً — يوماً — أن يغيّر الشارع.
زياد، الذي مال أحياناً نحو الرأسماليين الليبراليين “ليعيش”، يمكننا أن نترحّم عليه وننتقده في آنٍ معاً، حتى لو رجمنا بعض المعجبين به، هو الذي ارتفع فوق خصومه بتجاهلهم، وجرح منتقديه باستهزاء.
لكنّه، مع ذلك، يبقى في قلوبنا أيقونة…
وفي فناجين القهوة، منبّهاً لا يغيب.
لن نقول لزياد، الذي غاب عن ثورة 17 تشرين، وداعاً…
ولا لزياد الذي عانق الغياب، واختار الانسحاب، وتصارع مع مرضه، وداعاً.
لن نقول له ما قد يجرحه.
سنقول فقط: إلى اللقاء.
إلى اللقاء، ولا شيء غيره.