تكتيكات مصر لترحيل السوريين

تكتيكات مصر لترحيل السوريين

منذ فترة، بدأت تستهدف إجراءات أمنية مشددة المقيمين السوريين في الداخل المصري، ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه الحملة وأسبابها، بالتزامن مع ظهور ملامح أزمة اقتصادية مصرية وتوترات إقليمية مع دمشق في مرحلة ما بعد الأسد.

تصف تقارير حقوقية صادرة عن منظمات مثل مرصد سيناء لحقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ما يحدث بأنه سياسة ترحيل مقنّعة؛ فبدلاً من إصدار قرارات ترحيل جماعية معلنة، والتي قد تعرّض مصر لانتقادات دولية، تعتمد السلطات المصرية على مجموعة من الإجراءات الإدارية والأمنية التي قد تدفع السوريين إلى مغادرة البلاد تحت الضغط.

وشملت هذه الإجراءات تغييرات في آليات تجديد الإقامة؛ فمنذ العام 2024 تم تعطيل أو إلغاء تجديد الإقامات السياحية، وربط الإقامات بمسارات محددة مثل اللجوء أو الدراسة أو الاستثمار أو الروابط الأسرية. وأدى ذلك إلى دفع عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة عدم انتظام قانوني قسري، بسبب طول فترات الانتظار وصعوبة الحصول على الإقامة أو حتى حجز موعد لدى مصلحة الجوازات، وفق ما يقول سوريون مقيمون في مصر.

وصرّح سوريون مقيمون في مصر أن حملات الترحيل، التي وصفوها بالجائرة، طاولت حتى المقيمين بشكل قانوني، على خلفية مخالفات إدارية بسيطة.

ويقول أحد المتابعين للملف:
“الأصوات المعارضة لوجود السوريين في مصر بدأت ترتفع بشكل كبير، مما ينذر بوجود توتر على المستوى الشعبي قد يؤدي إلى نوع من النقمة الداخلية تجاه الوجود السوري”.
وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، انتقد سوريون في تدوينات ومقاطع فيديو ما وصفوه بالدور السلبي لقنصليات وسفارة بلادهم في القاهرة إزاء التحركات المصرية الأخيرة.

وفي هذا الإطار، يقول الصحافي دانيال عبد الفتاح في تصريح لـ DW إن “السفارة السورية في القاهرة ضعيفة بسبب تمثيلها الدبلوماسي المحدود جداً، إذ لا يوجد حالياً من يمثل الإدارة الدبلوماسية السورية بشكل فعلي وقوي في مصر. وهذا لا يقتصر على القاهرة، بل ينطبق على معظم عواصم العالم”. وأضاف أن “التمثيل الدبلوماسي السوري هش وضعيف جداً، ولا يتناسب مع حجم الأزمات التي يمر بها السوريون، كما أن الإدارة القنصلية السورية فشلت في الكثير من مجالات تقديم الخدمات والرعاية القنصلية لرعاياها، ما خلق كثيراً من ردود الفعل والمشكلات، كما شهدنا في إسطنبول والقاهرة، وكذلك في العراق ولبنان”.

لكن السؤال الأجدر بالطرح يتعلق بمسببات هذه الحملة.
فبحسب إعلام مصري مقرّب من السلطة، فإن وجود السوريين بات يشكل تهديداً للأمن القومي، وأن بعض تصرفاتهم وُصفت بأنها استفزازية تجاه الشارع المصري.

إلا أن المراقب لسياسة مصر الخارجية تجاه سوريا يلحظ فرقاً واضحاً في اللهجة وحدّتها عند الحديث عن هرم السلطة في دمشق في عهد الأسد مقارنة بمرحلة الشرع. كما لا يفوّت الإعلام المصري فرصة للتذكير بماضي الشرع ووصف الحكومة بالإرهابية. وبالنظر إلى حجم التأييد الشعبي الذي يحظى به فريق الشرع، قد يرى البعض أن ما يحصل يحمل طابعاً انتقامياً تجاه مؤيدي الحكومة في دمشق.

ناهيك عن وجود عدد من المصريين الذين هاجروا خلال الحرب ضد الأسد وانخرطوا في الثورة السورية، وهو ما تُجرّمه السلطات في القاهرة.

ومع كل أزمة سياسية بين سوريا ودولة أخرى، يبقى الشعب السوري هو الضحية الأولى، في ظل ضعف السياسات المتعاقبة لحكوماته وأدواتها، بصرف النظر عن الأسباب والخلفيات، لا سيما بعد ما خلّفه الأسد من حرب سياسية على الفارّين من آلة بطشه، والتي أغنت سوق النخاسة العالمي بالسوريين الذين أصبحوا قرص الـ”CHIP”على طاولة القمار العالمية (تهديد، فتح أو إغلاق الحدود، مساعدات، مرتزقة، اتجار بالبشر).