الحربُ لفترةٍ والضّحايا للأبد

الحربُ لفترةٍ والضّحايا للأبد

لا تنتهي الحرب إلا بعرف أهل السياسة الذين لا ينشغلون بغير مصالحهم وخطوط انتصاراتهم أو هزائمهم. أولئك الذين يضيعون في غابات السياسة التي لا تنظر إلا بعين الشيطان.

الحرب التي تبدأ لا تنتهي. فالإنسان مهزوم في أي حرب تشتعل. ولا خلاف على ذلك إن اتفقنا على مسمى (الإنسان).

السؤال الآن: هل انتهت حرب غزة؟
ومن أذن للمعلن إعلانه؟
فشارة الانتهاء لا يرفعها إلا من انكوى بنار الحرب!

لكن دعوني أسأل متغاضياً عن انتهاكات الاحتلال المستمرة، وغاراته المتواصلة: كيف لحربٍ بدأت أن تنتهي؟ الحرب التي تبدأ تستمر إلى الأبد!

فحرب غزة من المستحيل أن تنتهي على شاب فقد بصره حتى يشتعل النور في عينه من جديد.
وكيف لحرب أن تنتهي على قلب أم لا يحمل جواباً عن مصير ابنها… ابنها الذي اختارت ملامح وجهه، وتصرفات جسمه، ولغة لسانه، واختارت له (الله) معبوداً. كيف لحربها أن تنتهي على قلبها؟
“في عداد المفقودين” هل هي جملة كافية لإطفاء قلبها المحترق؟ فهل مات لتحزن وتبكي على قبره، أم حي لتنتظر أن يُردَّ قميصه وتشمّ أثره؟ فهل نهاية الحرب برهانٌ يكفي ليملأ فراغ قلبها ويربط عليه؟ وكم (أم موسى) في لجيات حربنا؟

كيف ينسدل ستار حرب على فتاة كل ما تحيكه في خيالها هو خصل شعر تريد أن تمشطه؟ كيف تنتهي الحرب على رأسها المحترق؟

وكيف لحرب أن تنتهي لطفلة ضائعة في حاويات القمامة، تفتش عن رغيف خبز يابس يصلح لأن يكون فطور الغد؟

وكيف لحرب أن تنتهي لرجل تصلبه الشمس، وتغرقه أمطار الشتاء، وهو لا يزال يبحث عن ظلّ مثبّت يسند ظهره عليه؟
كيف لتلك الحرب القحباء أن تنتهي وأبناء الخيام يتقلبون في الشقاء، ويضيعون في مصائب لا تنتمي لعصرنا؟ كيف لها أن تنتهي ومعاركهم مع البعوض والذباب والمراحيض وطعام التكايا وسجال المؤسسات الإنسانية ومناديب الخير الذين لا يعملون إلا لصالح فروجهم. كيف تنتهي الحرب عليهم أبناء الخيام، كيف؟

الحرب لا تنتهي إلا بعرف الساسة، أما الضحايا فالحرب التي تبدأ عليهم لا تنتهي. الحرب لفترة والضحايا للأبد، للأبد!

أخبروا من يزور قبر قدمه أن الحرب انتهت! وأخبروا سيدة عجوز تبحث عن جثة ابنها في مقبرة منبوشة أن الجيش تراجع!
أخبروا أرباب الصمود أن المضاجعة لن تنبت ما فقدنا، وأن الإنجاب سهل أما الإنشاء مستحيل في وطن ضائع.
إن الكبريتة التي تشتعل بسهولة لا تنطفئ بغير مساحات واسعة من الجنة!

وأخيراً أرجوكم أخبروا مجالس السلام: أنّ بعث الضحايا هو شرط السلام الأول.