حين يتعايش السلام والحرب في دولة واحدة

حين يتعايش السلام والحرب في دولة واحدة

يفترض أي انتقال إلى حالة سلام في الدول الخارجة من دورات الصراع حدًا أدنى من وحدة القرار السيادي واحتكار الدولة لأدوات العنف المشروع. غير أن السيناريو الذي يدخل فيه لبنان مسار سلام رسمي—سواء عبر ترتيبات إقليمية أوسع أو تفاهمات ثنائية—مع بقاء حزب الله في حالة مواجهة مع هذا المسار، يطرح نموذجًا مركّبًا من “ازدواج السيادة”، تتعايش فيه شرعيتان متنازعتان: شرعية الدولة وشرعية الفاعل المسلح خارج نطاق الدولة.

ينطلق هذا السيناريو من فرضية تفكك التوافق الداخلي حول تعريف المصلحة الوطنية، بحيث ترى مؤسسات الدولة (مدفوعة باعتبارات اقتصادية وضغوط مالية وحاجات إعادة الإعمار) أن الانخراط في السلام يفتح أفقًا لتخفيف المخاطر واستعادة التدفقات الاستثمارية. في المقابل، قد ينظر الحزب إلى هذا المسار باعتباره مساسًا بوظيفته الردعية وبنيته الأيديولوجية، أو تناقضًا مع التزاماته الإقليمية، فيُبقي على حالة “الحرب المنخفضة الوتيرة” خارج مظلة القرار الرسمي.

هذا التباين لا يقتصر على مستوى الخطاب، بل يمتد إلى بنية اتخاذ القرار الأمني. فالدولة، بحكم التزاماتها الدولية، ستسعى لضبط الحدود وخفض احتمالات الاحتكاك، بينما يحتفظ الحزب بهامش عملياتي مستقل، قادر على توليد أزمات دورية تعيد تعريف قواعد الاشتباك. والنتيجة هي بيئة استراتيجية مزدوجة: سلام مُعلن يقابله توتر مُستدام، واتفاقات رسمية تقابلها وقائع ميدانية متحركة.

من زاوية القانون الدولي، يخلق هذا الوضع إشكالية “نسبة الفعل” (Attribution). فإذا انطلقت أعمال عدائية من أراضي دولة في حالة سلام، فإن الطرف المقابل—وخاصة إسرائيل—قد يحمّل الدولة المسؤولية، استنادًا إلى واجبها في منع استخدام أراضيها للإضرار بالغير. هنا تصبح الدولة أمام معادلة صعبة: إما أن تُظهر قدرة فعلية على ضبط الفاعل المسلح، بما يستلزم إعادة ترتيب توازنات داخلية حساسة، أو أن تتحمل كلفة الردود العسكرية والعقوبات، ما يقوّض مكاسب السلام المفترضة.

اقتصاديًا، يفترض مسار السلام تحسنًا في مؤشرات المخاطر السيادية وتراجع كلفة التأمين على الاستثمار. لكن استمرار نشاط عسكري خارج القرار الرسمي يعيد إدخال “علاوة عدم اليقين” إلى السوق، فيحدّ من تدفق الرساميل طويلة الأجل ويُبقي الاقتصاد في حالة تعافٍ هش. بل إن أي تصعيد محدود قد يكفي لإعادة تسعير المخاطر ونسف مكتسبات تدريجية تحققت بفعل الانفتاح الدبلوماسي.

أما اجتماعيًا، فإن ازدواج المسار يعمّق الانقسام الهوياتي بين جمهور يرى في السلام ضرورة معيشية، وآخر يعتبره تنازلًا استراتيجيًا. ومع الوقت، قد تتبلور جغرافيات سياسية داخلية متفاوتة الانخراط في “اقتصاد السلام” مقابل “اقتصاد المقاومة”، بما يكرّس تفاوتًا في فرص العمل والاستثمار والخدمات، ويُضعف السردية الوطنية الجامعة.

إقليميًا، لا يمكن فصل سلوك الحزب عن شبكة علاقاته، ولا سيما مع إيران، حيث يُعاد تعريف الأدوار ضمن توازنات أوسع. في حال اتجهت المنطقة إلى ترتيبات تهدئة أوسع، قد يُستخدم بقاء الجبهة اللبنانية نشطة كورقة ضغط تفاوضي، أو كآلية ردع غير مباشرة. لكن هذه الوظيفة، حتى إن حققت مكاسب تكتيكية، تُبقي لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وتحدّ من قدرته على تثبيت مسار سيادي مستقل.

إدارة هذا السيناريو تقتضي أدوات مركّبة. أولًا، بناء إطار وطني واضح يحدد قواعد الاشتباك وحدود استخدام القوة خارج القرار الرسمي، بما يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفاعل المسلح من دون انزلاق إلى مواجهة داخلية. ثانيًا، تفعيل دبلوماسية نشطة مع الأطراف المعنية لضبط “هوامش الخطأ” ومنع تحوّل الحوادث المحدودة إلى تصعيد شامل. ثالثًا، ربط مكاسب السلام الاقتصادية بإصلاحات مؤسسية تُحسّن الحوكمة وتزيد قدرة الدولة على بسط سلطتها، بحيث يصبح ثمن الخروج عن المسار أعلى من كلفة الالتزام به.

في المحصلة، إن الجمع بين سلام رسمي وحرب موازية ليس حالة انتقالية بريئة، بل بنية مستقرة نسبيًا من عدم الاستقرار. قد توفّر هذه البنية توازنًا هشًا يجنّب الانفجار الشامل، لكنها تُبقي الدولة رهينة لتقلبات فاعل لا يخضع بالكامل لمنطقها. وعليه، فإن نجاح أي مسار سلام في لبنان لا يُقاس بتوقيع الاتفاقات فحسب، بل بمدى قدرة الدولة على توحيد قرارها السيادي، وتحويل التهدئة من تكتيك مُجزّأ إلى استراتيجية وطنية جامعة.