خبز السبعينيات الذي لم نذقه

خبز السبعينيات الذي لم نذقه

إلى خبزٍ لم أذقه يومًا يحنّ فؤادي.

إلى خبز السبعينيات المغذي أشتاق، وأنا ابن الألفين، الذي يتمنّى كلّ يوم لو يُمحى رقم الألفين من سجلّ التاريخ، ويثبت الزمن عند سنوات الألف.

لطالما تساءلت عن سرِّ الحنين إلى أيّامٍ لم أعشها، وإلى عراقة لم يسمح لي عمري بأن أستمتع بها، وإلى أمس بملامح شبابية لم ألد من رحمه، فأجبت نفسي بنفسي: “في شخصيتي بذورٌ بسيطة بريئة،تريد السلام، وتتظمأ إلى الدفء، سئِمَتْ من الحروب الأمنية، والحروب التكنولوجية. لا تنتمي إلى هذا العالم الذي رقمنَ الإنسان، بل تنتمي إلى الإنسان الذي كان حيًّا قبل سنين التطوّر.

في شخصيتي حنينٌ إلى الهدوء والاستقرار واشمئزازٌ من “الترند” الذي خلقَ فينا عقدًا نفسيّةً لا يجب أن تكون موجودة أساسًا. في شخصيّتي حنينٌ إلى أجمل أنواع الضجيج؛ ضجيج السعادة والصحة، مصطلحان خسرا عافيتهما عندما غزا عصر السرعة حياتنا، فانقشعا، ورُدمت معهما جدران الطمأنينة.

في شخصيتي قيم عائلية جُبلت بالأصالة والصدق، وعلّمت على محبّة الدنيا المتواضعة والعيش المستقر والقناعة والرضا. في شخصيتي حبٌّ لعاداتٍ سبعينية استثنائية نشأت عليها في عائلةٍ علقت تحت أنقاض الماضي، ولم تقبل أن تُنقذها أيّام اليوم الغامضة، وطقسَ العصرِ الضبابي.

في شخصيتي لبنان، وأنا لبناني، وكم يُشبه لبنان السبعينيات بحبّه للحياة.

بهذه الإجابة المعزّية، أدركت أنّ شخصيّة الإنسان، وبيئته، قادرتان من خلال التنشئة الاجتماعية الصالحة، على أن تُعمّقا فجوة الشوق في قلبه إلى أعوامٍ يُكرّر مشاهدها، رغم أنّه لم يختبر نسختها الأولى. فهو تربّى على قيمٍ يخفت ضوؤها مع الوقت، لتغدو أثرًا لا أكثر.

زوايا بيت سبعيني مخضرم حياتيّاً

في الكثير من البيوت يحبو طفلٌ من جيل Z، يبدو أنّه أُنجب من رحمِ أمٍّ وأبٍ من فترة السبعينيات. يُشبههما لا فقط من الخارج، بل من الداخل أيضًا. اكتسب عاداتهما، وصارت قيمهما جزءًا من روحه. يحبو بينهما وهو يشرب من الأرض مياهًا تُنعش فؤاده ليبقى نقيًّا، وخاليًا من سموم اللذات الآنية التي أصبحت مفهوم الحياة الجديد. يترعرع في بيتهما وهو يراقب والده يحمل بيده قلمًا وورقةً، ويقرأ كتابًا، فيحذو حذوه، رغمَ أنّ الهاتف يستطيع أن يؤمّن له الكتاب ذاته على هيئة الكترونية.

في بيته مكتبة منزلية تفوح منها رائحة الحروف، والصفحات، وتتكوّن فيها علاقاتٌ مع الكتّاب، لتغدو قرابةً أدبيّة تتوطّد من خلالها عواميد زمن غابر احترف الحياة السليمة بكلّ ميزاتها.

لقد اختار هذا الطفل أن يمعّن نظره بتجارب جبران خليل جبران، ويقرأ “آخر حجر” لمارون عبود، ويُصقل لغته ويوسّع آفاقه بقطع ميخائيل نعيمة الأدبية الخالدة. انتقى الطبيعة منأى عن ليالي المدينة المزدحمة، ووهم العظمة القاتل، وشبح صناعة المحتوى الفارغ. اختار أن يكون مختلفًا عن أبناء جيله، وعن الناس الذين احترفوا الاستنساخ. قرّر أن يستقر على سفينة قديمة لم تنصع إلى الأمواج. فضّل أن يبتاع كتبًا، على أن يبتاع قميصًا فاخرًا ليتبع “الموضة”. هو طفلٌ يسبح جسده في بحر اليوم، لكنّ روحه غارقة في بحر الأمس.

هجرة العلاقات الاجتماعية إلى المنفى

إنّ هذا البيت ينتشر في كلّ مكان. أمّا الطفل، فنجده في كلّ زمان. ربما هو ابن الألفين، وربما ابن السبعينينات، وفي كلتيّ الحالتين ما هو إلّا سبعينيّ بتفاصيله، وبعقله، وبقلبه. هو سبعينيّ بالعلاقات الأخوية والصداقات، هو سبعينيّ صائم على فطرته الأولى، وما أحبّ هذه الفطرة! ما أقوى هذه الإرادة، إرادة التمسّك بالفكر التقليدي العميق! وكم هو مؤسف أن يموت هذا الفكر، الذي شكّل مرآةً لوحدة اللبنانيين، وجسّد صورة التضامن بينهم!

الأستاذ حسن رمضان الذي عاش في حقبة السبعين يقول لـ”نقد” حول موضوع هجرة العلاقات الاجتماعية إلى المنفى: “كنّا لبنانيين قبل أن نكون طوائف، وكان الوطن يجمعنا أكثر مما تفرّقنا الانتماءات الضيقة. كنّا عائلةً كبيرة تجتمع حول مائدة الحب، فإذا بنا في مركب التطور المادي غرقى في بحر الأنا، يبتعد الابن عن أمه وأبيه، ويهجر الأخ أخاه، وتذبل صلة الرحم أمام شاشاتٍ باردة”.

ويعتبر رمضان أنّ “كل شيء قد تغيّر إلا الحنين، فلا يزال يسكن أرواحنا، ويوقظ فينا شوقًا إلى زمنٍ كان الإنسان فيه أثمن من كل ما يملك. ليت الماضي يعود، لنستعيد معه صدق الكلمة، ودفء البيوت، وصفاء النفوس، ولكنها أمنية يعرف القلب قبل العقل أنها لن تتحقق. سيبقى الماضي وطنًا نسكنه كلما ضاقت بنا الأيام، وستبقى الذكريات نافذةً نطل منها على زمنٍ رحل. وللأسف، لن يعود”.

التكنولوجيا  وفقدان الهُوِّية

ناهيك عن إيجابياتها، ألقت التكنولوجيا بظلالها على المجتمعات، حتى كوّنت ثقافة لا تعريف لها، ذلك لأنّها كلّ فترة تُفاجئنا بابتكار جديد، فتُسلبنا ثقافةً اعتدنا عليها، وفي اللاوعي لا نزال نهرب اليها.

إنّ هذه المشكلة مشتركة بين البلدان، ولعلّ أبرز ما فقدناه هو شغفُ القيام بكل شيء فرديًّا، من دون الحاجة لمساعدة آلية. وقعنا اليوم في دوامة الخمول. وفي هذا الإطار، يؤكّد الأستاذ محمد أبو الرجال من مصر أنّ”جيل السبعينيات فقد الترابط الشخصي ما بين هذا الجيل وبين بيئته التي جُبِلِ عليها بهيئتها، وكينونتها، كالجزء الواحد الذي لا يتلاشى مهما تسللت إليه تكنولوجيا العصر، وما تحمله من انفتاح على العالم من شتى نواحيه، هذه التكنولوجيا التي لم تظهر لهذا الجيل الذهبي، وهذه واحدة من الأشياء التي تفردت بها هذه الحقبة، لأن التكنولوجيا إن سادت حينها لفسد الجيل، وفسق من بيئته التي تلاحم فيها، وامتزج فيها، والتي لا يزال يسترجع ذكراه منها، ويبحث عن نفسه فيها”.

إرثٌ ضخمٌ يتغلغل في أعماق الجيل الحالي

بيد أنّ الناس الذين اختبروا المرحلة السبعينية ينذرون بالمخاطر التي تطرحها التغيّرات اليوم على الأصعدة كافة، ثمّة أبناء من جيل Z يُطمئنون بواقع لا يزال ينبض بالأمل، وبالأنسنة، ويُبشّرون بفسحة سلامٍ، ويدحضون فكرة تحوّل العالم الحقيقي إلى عالم افتراضي تامّ. فالشابة ماري جوزيه يعقوب اعتبرت في حديث لـ”نقد” أنّ “العولمة ومواقع التواصل الاجتماعي باتتا تؤدّيان دورًا في نقل التراث قد نكون نسيناه، ماديًّا كان أم فكريًّا”. وتضرب يعقوب المثال بفرقة Abba التي نستمع إلى أغانيها في السهرات، والاحتفالات، والأماكن العامة، أم حتى في المنزل، وتعرض تطبيقات مثل Tiktok، وInstagram، ويوتيوب هذه الموسيقى، بهدف التشديد على أهميّتها، ولكونها عنصر حيّ خالد متوارث من قرن إلى آخر. وآبا واحدة من أشهر فرق الروك الموسيقية السويدية ظهرت في فترة سبعينيات القرن العشرين. وتأتي تسمية الفرقة ABBA تيّمنًا بالأحرف الأولى لكل فرد من أفراد الفرقة.

أمّا الفتاة ريتا الخوري، التي تترعرع في عصرٍ يُهدّد أولاد جيلها، تحنّ إلى تقاليد ندُر وجودها، وتقول: “رغم أنّنا نعيش في عصر التكنولوجيا، اتمنى أن يبقى شيءٌ من زمن السبعينيات حاضرًا في مجتمعنا. اشتاق إلى الكتب القديمة التي كانت تغذّي العقول وتُنمّي الخيال، وإلى المسلسلات التي حملت قيمًا ورسائل هادفة. كما اتمنى أن تظل الثقافة والعلم يحظيان بالمكانة التي يستحقانها في مجتمعنا. فالتقدّم الحقيقي يتجلّى بالحفاظ على المعرفة والأصالة معًا”.

الاتزان: هنا تشرقُ الشمس

لا يُمكننا منعَ التحوّلات الجذريّة التي نشهدها. إنها أشبه بقطار يجري ولا يتوقّف عند مفترق. يُسرع بجنون، لأنّنا لم نضع له حدًّا. لقد حبسنا ذاتنا داخله بقرارة أنفسنا، ففاز تشتّت أذهاننا بحصادنا، وكسبت غريزتنا في قمع ذكائنا. أصبحنا نرى الغنى بالمظاهر المزيّفة. نبحث عن السرعة، فترانا لا نحصل على مطالبنا بتعبنا، بل “كبسة زر واحدة” تؤمّنها لنا.

قد تشرق الشمس عندما نضع خطة اتزان وصلابة ورصانة، نفتخر عبرها بإرث سبعيني لا يُحتذى به، فنحرص على حمله حتى الرمق الأخير، ونفتخر بالمقابل بما جلبه لنا الازدهار، فنستفيد منه. الحلّ يكمن بتضامن الشعوب الفعلي، لا النظري عبر حساباتهم الافتراضية. أما الشهرة الحقيقية فيستحقّها كل من أنسن أعماله أي صبغها بلمسته الخاصة، ومن هم سوى أولئك الذين يواظبون على الكتابة الورقية ليحتفظوا بجوهرها، والذين تؤلّف مواهبهم الخلابة كلمات ثريّة المعاني لتُغنّى بأصوات عذبة وآثرة؟ من هم سوى الذين تخفق قلوبهم عشقًا لعمرٍ ذهبيّ، ولعيدِ ميلادٍ لا تنطفئ فيه شموع البركة؟ عمرٌ كانت فيه تفاصيل الحياة اليومية أكثر أمانًا، رغم الجراح. عمرٌ نقول له شكرًا، لأنّه أكّد لنا أن على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة.

إنّ حنيني إلى هذا العمر يتعظّم كلّ دقيقة تنقطع فيها الأنفاس بسبب الخراب الذي يلاحقنا. أحنّ إلى خبز الأمس حنين البساتين للمطر. أتوق إلى كتابٍ، إلى أغنية، إلى كلمة طيبة، إلى جلسة سعيدة، إلى روحٍ لم تسرقها الضغوطات، وإلى تاريخٍ محته الجغرافيا عندما قلبت خريطة العالم رأسًا على عقب، فتفتحت براعم العولمة ومسّت تركيبة الأمم بالكامل. أشتاق إلى لبنان، عندما كان ملبننًا. وأرجو أنْ يضحك لنا القدر، لأننا انتظرنا، ولعلّ بعد الانتظار انتصار.