هزيمة ما بعد النصر

هزيمة ما بعد النصر

ليس أصعب من الذهاب إلى الحرب سوى العودة منها؛ ففي الطريق إلى المعركة تصنع الدول أبطالها، أما في طريق العودة فتظهر الخسائر التي لا تدخل عادةً في بيانات النصر. يصمت السلاح، وتُرفع الأعلام، ويتسابق القادة إلى إعلان الإنجازات، لكن أحداً لا يسأل ماذا بقي في نفوس العائدين، ولا إن كانت البلاد التي قاتلوا من أجلها لا تزال كما تركوها. هذه المسافة بين الانتصار المعلن والهزيمة الصامتة هي التي يعيد فيلم “The Odessy” لكريستوفر نولان فتحها من خلال ملحمة عمرها نحو ثلاثة آلاف عام.

يعود أوديسيوس من حرب طروادة في صفوف المنتصرين، لكنه يحتاج إلى عشر سنوات أخرى كي يصل إلى مملكته. وفي الحساب العسكري يكون قد ربح الحرب، أما في الحساب الإنساني فلم تنتهِ الحرب داخله. فالطريق إلى الوطن يتحول إلى رحلة من الفقد والخوف ومواجهة الذات، ويصبح البطل الذي خدع أعداءه عاجزاً عن الإفلات من ذاكرته. هنا لا ينزع الفيلم البطولة عن أوديسيوس، بقدر ما يسأل عن الثمن الذي دفعه ليصبح بطلاً، وعما إذا كان الإنسان يستطيع الخروج من الحرب كما دخلها.

تستدعي هذه القراءة حروب العصر الحديث، من فييتنام إلى العراق وأفغانستان، حيث استطاعت الجيوش احتلال المدن وإسقاط الأنظمة، لكنها لم تستطع دائماً أن تمنح جنودها أو مجتمعاتها شعوراً حقيقياً بالنصر. فالدول تستطيع إحصاء الأراضي التي سيطرت عليها، والأسلحة التي دمرتها، والخصوم الذين أسقطتهم، لكنها تعجز عن قياس الخراب الذي يستقر في النفوس، أو استعادة الثقة التي بددتها الحرب. وفي منطقتنا أيضاً، كم من حرب رُفعت في نهايتها رايات الانتصار، بينما كانت المدن تودع أبناءها، والمجتمعات تدخل زمناً طويلاً من الانقسام والفقر والخوف؟

الأهم أن أوديسيوس، بعد كل ما واجهه في الخارج، يكتشف أن الخطر الذي أصاب مملكته لم يأتِ من طروادة وحدها، بل من الداخل الذي خان القيم التي كان يُفترض أنه يحارب دفاعاً عنها. وهذه مفارقة تتكرر في تاريخ الدول؛ إذ ترفع السلطة شعار حماية الوطن، ثم تنتهك القانون الذي يقوم عليه، وتذهب لمواجهة عدو بعيد فيما يتآكل مجتمعها من الداخل. فالعدو الخارجي يمنح الحكومات ذريعة سهلة لتأجيل الأسئلة الصعبة، لكن الدول لا تبدأ بالسقوط حين تخسر جبهة فقط، بل حين يصبح العنف لغتها الوحيدة، وتفقد قدرتها على حماية العدالة والكرامة والإنسان.

ولم يبقَ الجدل حول الفيلم محصوراً في معنى الحرب، بل امتد إلى شكل الشخصيات ولونها وهويتها، وتحول إلى مواجهة جديدة بين اليمين واليسار حول “الووك” والصوابية السياسية. غير أن المسألة أعمق من اختيار ممثل أو تغيير ملامح شخصية أسطورية؛ فهي تتعلق بمن يملك حق تفسير التراث، ومن يحدد صورة البطل، وما إذا كانت الأسطورة ملكاً للماضي وحده أم نصاً حياً يعيد كل عصر قراءته. لذلك لم يكن الخلاف فنياً فقط، لأن الصراع على السرديات هو في جانب منه صراع على الهوية، وعلى الطريقة التي ترى بها الجماعات نفسها والآخرين.

قد يكون الإقبال الكبير على الفيلم دليلاً على أن الإنسان، رغم الخوارزميات وثقافة المشاهدة المنفردة، لا يزال يبحث عن قصة مشتركة تجمعه بالآخرين. لكن القيمة الأهم في “الأوديسة” تبقى في السؤال الذي تضعه أمام عالم تتواصل فيه الحروب من غزة إلى أوكرانيا: هل يكفي أن نهزم العدو كي نكون قد انتصرنا؟ قد تنتصر الدولة وتفقد أخلاقها، وقد يعود الجندي إلى بيته من دون أن يعود من حربه، وقد يصمت سلاح الخصم بينما تبقى الحرب ساكنة في المجتمع. فالنصر الحقيقي ليس أن تصل إلى أرض عدوك، بل أن تعود إلى أرضك من دون أن تتحول إلى نسخة أخرى منك.