26 Sep 2026
Like this post
ربما شعر الإنسان بشيء من الحزن في المرة الأولى التي رأى فيها سيارة تمرّ بجانب حصانه.
ليس لأن السيارة كانت شريرة، ولا لأن الحصان توقف فجأة عن أن يكون جميلًا. بقيت في وقع حوافره على الأرض موسيقى لا يملكها المحرك، وبقيت في العلاقة بين الفارس وحصانه حميمية لن تمنحها له عجلة قيادة. لكن شيئًا آخر كان يحدث أمامه، شيء أكبر من المفاضلة بين جمال الحصان وبرودة الآلة: العالم نفسه كان يتغير.
ولعلّ أحدًا وقف يومها أيضًا أمام السيارة وقال إن الحصان يكفيه.
وقد يكون محقًا، بالنسبة إليه.
حتى اليوم، لا يزال هناك من يركب الخيل لأنه يحبها، ومن يجمع السيارات القديمة ليستمع إلى هدير محركاتها، ومن يكتب بقلم حبر رغم وجود الحاسوب، ومن يفضّل كتابًا تفوح منه رائحة الورق على شاشة تحمل مكتبة كاملة. ولا يبدو لي أن التقدم يحتاج إلى قتل هذه الأشياء كي يثبت نفسه. بعض ما تجاوزه السوق بقي جزءً من حياتنا لأن قيمته لم تكن اقتصادية فقط.
لكن ماذا يحدث عندما لا نعود نتحدث عن هواية أو ذوق شخصي، بل عن الطريقة التي نعمل بها وننتج ونتعلم ونبني من خلالها حياتنا؟
هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر إرباكًا.
شيء من الحنين
وشيء من الخوف
أفهم من ينظر إلى ما يحدث ولا يشعر بالحماسة التي يشعر بها آخرون.
ثمة شيء مخيف فعلًا في أن نشاهد برنامجًا يكتب خلال ثوانٍ نصًا كان يحتاج إلى ساعات، أو يولّد صورة كانت تتطلب مهارة طويلة، أو يحلل كمية من المعلومات يصعب على شخص واحد قراءتها، أو يبدأ بكتابة برنامج لمن لا يعرف كتابة الكود أصلًا.
ماذا نفعل بكل السنوات التي أمضيناها في تعلم الأشياء إذا أصبحت الآلة قادرة على تنفيذ جزء منها بهذه السرعة؟
وماذا يحدث للمتعة نفسها؟
ربما كان الكاتب يحب لحظة البحث عن الجملة، والمصمم يحب الساعات التي يقضيها في تشكيل الصورة، والمبرمج يجد شيئًا من هويته في حل المشكلة بنفسه. حين تدخل آلة إلى هذه المساحة، لا يشعر الجميع بأنها جاءت لمساعدتهم. قد يشعر بعضهم بأنها دخلت إلى غرفة شخصية جدًا من دون أن تطرق الباب.
وليس كل رفض للتكنولوجيا جهلًا بها.
أحيانًا نخشى خسارة شيء حقيقي.
حين حلّ الضوء الكهربائي مكان الشمعة، ربحنا عالمًا أكثر أمانًا وقدرة على العمل بعد الغروب، لكن الشمعة لم تفقد سحرها. وحين حل المحرك مكان الشراع في معظم النقل البحري، ربحنا السرعة والقدرة على مواجهة الريح بدل انتظارها، لكن منظر الشراع بقي يحمل شيئًا لا يستطيع المحرك أن يعطينا إياه. وحين أصبحت المصانع قادرة على إنتاج آلاف القطع المتطابقة، لم تفقد القطعة المصنوعة باليد قيمتها؛ في بعض الحالات، ازدادت قيمتها لأنها أصبحت نادرة.
ربما سيحدث شيء مشابه مع كثير مما نفعله اليوم.
وقد نكتشف أن بعض الطرق القديمة لم تكن سيئة، بل أصبحت ببساطة طرقًا نختارها لأننا نحبها، لا لأنها الطريقة الوحيدة المتاحة.
لكن المشكلة تبدأ عندما نطلب من العالم كله أن يتوقف كي لا نخسر شعورنا تجاه عالم قديم.
أكثر ما يثيرني في الذكاء الاصطناعي ليس أنه “ذكي” بالمعنى الذي نستخدمه لوصف الإنسان. يثيرني أنه يجمع قدرًا هائلًا مما صنعه البشر، ثم يعيده إلينا بسرعة وبأشكال لم نعتد أن نراها.
فيه شيء من المرآة.
نحن من كتب الكتب والمقالات والبرامج، ورسم الصور، ووضع النظريات، واخترع اللغات، وصنع الحواسيب التي تشغله أصلًا. البشر هم من يحددون أهداف الأنظمة، ويبنون بنيتها، ويختارون أين تدخل إلى المؤسسات وما الصلاحيات التي تحصل عليها.
لكن المرآة لم تعد ساكنة تمامًا.
حين نعطي نظامًا القدرة على استخدام الأدوات، والبحث، وكتابة الكود، وإرسال الرسائل، والتعامل مع قواعد البيانات، وتنفيذ سلسلة من المهام، يصبح القول إنه “مجرد مرآة” مريحًا أكثر مما ينبغي. هو لا يستيقظ صباحًا ويقرر وحده ماذا يريد من الحياة، لكننا أصبحنا قادرين على إعطائه هدفًا ومساحة للحركة ثم مراقبته وهو يحاول الوصول إليه.
وهنا ربما يوجد أحد أهم الأسئلة في علاقتنا المقبلة بهذه التقنية:
ليس السؤال إن كنا معها أو ضدها. تلك ثنائية تبدو أصغر من الواقع. السؤال يتعلق بما نفهمه منها، وما نعطيه لها، وما نبقيه في أيدينا.
كلما أصبحت الآلة أقدر، أصبح فهم حدودها أكثر أهمية، لا أقل.
ثمة شعور آخر يظهر اليوم، وخصوصًا في الكتابة والفن والتعليم: الحرج.
“هل كتبت هذا بالذكاء الاصطناعي؟”
أصبح السؤال أحيانًا اتهامًا قبل أن يكون سؤالًا.
وأفهم مصدره أيضًا. إذا طلب شخص من آلة أن تنتج له كل شيء، ثم قدّم الناتج باعتباره ثمرة معرفة أو مهارة لا يملكها، فهناك مشكلة حقيقية في ما يقدمه عن نفسه للآخرين. وإذا كان السياق امتحانًا لقدرة الطالب نفسه، فالأداة التي تنجز الامتحان بدلًا منه تغيّر معنى الاختبار كله.
لكن هل تنتهي المسألة هنا؟
ماذا عن الكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث عن نقطة ضعف في حجته، ثم يعود إلى المصادر ويتحقق منها؟ ماذا عن المبرمج الذي يستخدمه لكتابة جزء روتيني من الكود لكنه يفهم النظام الذي يبنيه ويختبره؟ ماذا عن صاحب شركة يستخدمه لقراءة آلاف السجلات بحثًا عن أخطاء لم يكن يستطيع اكتشافها بالسرعة نفسها؟ وماذا عن شخص لم يكن يستطيع تحمّل كلفة مصمم أو محلل أو مساعد، فأصبح قادرًا على تجربة فكرته لأول مرة؟
هل الأداة هي التي تحدد أصالة العمل، أم الطريقة التي دخلت بها إليه؟
نحن لم نتوقف عن تسمية المصور مصورًا حين ترك الفيلم واستخدم الكاميرا الرقمية. ولم نتهم الكاتب بسرقة كتابه لأنه استبدل القلم بآلة كاتبة، ثم استبدل الآلة بالحاسوب، ثم استعان بالمدقق الإملائي ومحرك البحث.
لكن الذكاء الاصطناعي يختلف أيضًا. فهو لا يصحح الكلمة فقط؛ يستطيع اقتراح الفكرة والجملة والبناء والحل. ولذلك ربما لا يكون السؤال المفيد: «هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟»، بل: ماذا فعل الذكاء الاصطناعي، وماذا بقي منك؟
هذا السؤال لا يخيفني.
على العكس، أريده أن يبقى.
لأنني أستخدم هذه الأدوات، ولا أريد أن يصبح استخدامها سرًا نخجل منه. وفي الوقت نفسه، لا أريد أن تصبح ذريعة نختبئ خلفها لننسب إلى أنفسنا معرفة لم نكتسبها أو عملًا لم نفهمه.
ربما ستكون الأصالة في هذا العصر أقل ارتباطًا بعدد الأشياء التي نفذناها بأيدينا، وأكثر ارتباطًا بما اخترناه، وما رفضناه، وما فهمناه، وما أضفناه، وما نستطيع الدفاع عنه حين تُغلق الشاشة.
لكن المسألة التي تقلقني أكثر لا تتعلق بمن كتب المقال أو صمم الصورة.
تتعلق بمن يملك الآلة نفسها.
عبر التاريخ، لم تكن القوة موزعة بالتساوي بين من يعملون. كانت تميل أيضًا إلى من يملك الأرض، أو المصنع، أو رأس المال، أو السفن، أو خطوط التجارة، أو المعلومات، أو المنصات التي يمر عبرها الآخرون.
والذكاء الاصطناعي لا يولد خارج هذا التاريخ.
وراء النافذة البسيطة التي نكتب فيها سؤالًا توجد مراكز بيانات ورقائق وطاقة ونماذج وأموال هائلة وشركات تستطيع اتخاذ قرارات قد تغيّر، في يوم واحد، شروط الأداة التي بدأت شركة أخرى تبني أعمالها فوقها.
لهذا يبدو لي غريبًا أن تتحول مقاومتنا للتكنولوجيا إلى انسحاب منها.
إذا كانت هذه الأدوات ستصبح جزءًا أكبر من الاقتصاد، فمن سيستفيد من بقائنا بعيدين عنها؟
هل يقل نفوذ من يملك النماذج لأننا رفضنا تعلم استخدامها؟
أم يصبح الفرق بين من يفهمها ومن يكتفي بمراقبتها أكبر؟
لا أعرف إلى أين ستصل هذه التكنولوجيا، ولا أظن أن أحدًا يعرف على وجه الدقة. كثير من الوعود الحالية سيفشل. شركات ستختفي. منتجات تبدو ثورية اليوم قد تصبح بعد سنوات مجرد مرحلة قصيرة في تاريخ أطول. وقد تظهر مخاطر لم نفهمها بعد، كما قد نكتشف أن بعض المخاوف الحالية كانت أكبر من الواقع.
لكننا نعرف شيئًا أبسط: أداة بهذا الحجم تستحق أن نفهمها.
لا لأننا نريد أن نعبدها.
بل لأننا لا نريد أن نُحكم بها من بعيد.
هناك جانب آخر أكثر تفاؤلًا في هذه القصة.
كم إنسانًا عاش وهو يعرف أنه يحب شيئًا لكنه لم ير فيه طريقًا للعمل؟
شخص يحب التاريخ، وآخر يحب السيارات، وثالث يعرف كل شيء عن النباتات، ورابع يفهم مشكلة صغيرة في مهنة محددة، لكن السوق لم يكن يمنح كل واحد منهم طريقة واضحة لتحويل هذه المعرفة إلى مشروع.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي السوق. في النهاية، إذا لم يجد ما نصنعه من يريده، فلن تنقذنا التقنية من ذلك. لكن المسافة بين الاهتمام الشخصي وبين تجربة منتج حوله أصبحت في بعض الحالات أقصر.
قد يستطيع شخص واحد اليوم أن يبحث ويصمم نموذجًا أوليًا ويكتب برنامجًا بسيطًا ويختبر فكرة وينتج محتوى ويصل إلى أشخاص كان الوصول إليهم يحتاج إلى فريق أكبر.
هل يعني ذلك أن كل شغف سيصبح شركة ناجحة؟
بالتأكيد لا.
لكن ربما أصبح السؤال مختلفًا قليلًا. بدل أن نسأل فقط: «ماذا يريد السوق الآن؟»، أصبح في إمكان عدد أكبر منا أن يسأل: «هل أستطيع أن أبني شيئًا أحبه إلى درجة تجعل السوق يجد سببًا ليهتم به؟»
السوق سيقول كلمته في النهاية.
لكنه ليس دائمًا من يبدأ الكلام.
كثير من الأشياء التي نستهلكها اليوم لم تظهر لأن ملايين الناس استيقظوا صباحًا وطالبوا بها بالاسم. ظهرت لأن أحدًا صنع شيئًا، ثم اكتشف الناس أن له مكانًا في حياتهم.
وفي عالم تنخفض فيه كلفة التجربة، ربما يصبح لدى أشخاص أكثر حق المحاولة.
وهذا، بالنسبة إليّ، أحد أجمل الاحتمالات في الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، لا أريد عالمًا تتحول فيه كل مهارة قديمة إلى خطأ ينبغي التخلص منه.
أريد أن يبقى من يكتب بالقلم قادرًا على الكتابة بالقلم.
وأن يبقى الحرفي الذي يصنع قطعة بيديه قادرًا على القول إن البطء جزء من قيمتها.
وأن يبقى من يحب هدير المحرك قادرًا على سماعه في مكان ما، ومن يحب ركوب الخيل قادرًا على الشعور للحظة أن الطريق ما زال أطول من زر نضغطه.
ليست المشكلة في الماضي.
المشكلة في أن يتحول حب الماضي إلى خوف من تعلم لغة الحاضر.
وربما يمكننا فعل الأمرين معًا: الاحتفاظ بما أحببناه من الطرق القديمة، بينما نتعلم الأدوات التي ستشكل الطرق الجديدة.
قد يصبح بعض القديم هواية، أو فنًا، أو رفاهية، أو مساحة نلجأ إليها لأننا لا نريد أن تكون كل دقيقة في حياتنا محسوبة بالكفاءة. وهذا ليس هزيمة لذلك القديم. أحيانًا، حين تتوقف الأشياء عن كونها ضرورة، نكتشف للمرة الأولى لماذا أحببناها.
أما العمل والحياة الاقتصادية، فلهما إيقاع أكثر قسوة.
هما لا ينتظران حنيننا طويلًا.
والسجادة تتحرك
ربما لهذا لا أرى الذكاء الاصطناعي كمعركة بين الإنسان والآلة.
أراه أقرب إلى لحظة تتحرك فيها الأرض تحت الجميع.
بعضنا يركض معها. بعضنا يحاول بناء شيء فوقها. بعضنا يقف بعيدًا لأنه غير مقتنع بالاتجاه. وبعضنا يريد فقط أن يفهم لماذا تتحرك بهذه السرعة.
وأنا واحد ممن ما زالوا يحاولون الفهم.
كلما استخدمت هذه التقنية أكثر، ازداد إعجابي بما تتيحه، وازداد في الوقت نفسه اقتناعي بأن استخدامها وحده لا يكفي. فكل إجابة جيدة تفتح سؤالًا عن مصدرها، وكل أتمتة ناجحة تفتح سؤالًا عن الخطأ المحتمل، وكل قدرة جديدة تفتح سؤالًا عن صاحب القرار، وكل شركة تُبنى فوق نموذج يملكه آخر تفتح سؤالًا عن الذي سيبقى منها إذا تغير النموذج.
ربما تكون المهارة الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي أقل إثارة من كل العروض التي نشاهدها: أن نفهم الأداة بما يكفي كي لا ننبهر بها ولا نخاف منها.
أن نعرف متى تساعدنا، ومتى تبدأ بالتفكير بدلًا منا في شيء كان ينبغي أن نفكر فيه نحن.
أن نعرف ما يمكن أن نسلّمه لها، وما الذي يصبح تسليمه تنازلًا عن جزء من قدرتنا نحن.
وأن نستمر في السؤال، كلما أصبحت أقوى: هل ما زالت هذه المرآة توسع قدرتنا على رؤية أنفسنا، أم بدأنا نحن نعيد تشكيل أنفسنا كي نناسب ما تستطيع المرآة أن تعكسه؟
لا أعرف أين ستكون الإجابة بعد عشر سنوات.
لكنني لا أريد أن أصل إليها غريبًا عن اللغة التي كُتبت بها.
ولا أريد، في المقابل، أن أصل إليها وقد نسيت الأشياء التي جعلتني إنسانًا قبل أن أتعلم استخدامها.
ربما لا تكون المسألة أن نختار بين الحصان والسيارة، أو بين القلم ولوحة المفاتيح، أو بين الشمعة والكهرباء.
ربما المسألة أن نعرف لماذا ما زلنا نحب الحصان، ومتى نحتاج السيارة.
وأن نحتفظ بالشمعة حين نريد سحرها، من دون أن نطلب من العالم أن يطفئ النور.