7 Nov 2026
Like this post
في طفولتنا، كنّا نستعجل أن نكبر.
نراقب البالغين وهم يسهرون ويقرّرون ويذهبون حيث يشاؤون، ونتخيّل أنّ الحرية تنتظرنا خلف أبواب السنوات المقبلة.
كنّا نعدّ الأيام للوصول إلى حياة نجهل تفاصيلها، من دون أن ندرك أنّنا قد نُضطر إلى تحمّل مسؤولياتها قبل أن نبلغها.
تختلف البدايات من إنسان إلى آخر. بعضنا يستعيد طفولته بذكريات بيت دافئ وأيام خفيفة، وآخرون يتذكّرونها مثقلة بالخوف والحرمان. هناك أطفال يتمنّون أن يتوقّف الزمن، وآخرون ينتظرون الغد باعتباره خلاصاً من حاضرهم.
لهذا، قد نشتاق إلى ما عشناه، وقد نحزن على حياة حُرمنا من اختبارها.
لكنّ السنوات وحدها لا تكشف ما مررنا به. فقد يبلغ أحدنا الثلاثين وقد استنزفته أحداث يصعب تجاوزها، بينما يحتفظ آخر، بعد عقود طويلة، بفضوله وقدرته على الدهشة. أحياناً، تغيّر حادثة واحدة فهمنا لأنفسنا والعالم أكثر ممّا تفعل أعوام من الاستقرار.
أتذكّر فرحتي عندما كان أحدهم يقول إنّ عقلي أكبر من عمري. كنتُ أتلقّى العبارة بفخر، وأعتبرها شهادة على وعيي وتميّزي عمّن هم في سنّي. لكنّني أدركت لاحقاً أنّ ما يبدو نضجاً قد يكون نتيجة ظروف لم تترك لنا خياراً آخر.
فكم من طفل تعلّم قراءة وجوه أهله قبل أن يسألهم عمّا حدث، أو اختار الصمت لأنّ في البيت ما يكفي من الهموم؟
قد تنشأ هذه الصلابة في عائلة أنهكتها الأزمات، أو ضائقة مادية جعلت أبسط القرارات موضع حساب، أو خلافات أقحمتنا في مسؤوليات تفوق طاقتنا. نتعلّم التماسك لأنّ الواقع يتطلّبه، ثم يأتي من يرى في هدوئنا حكمة، من دون أن يعرف ما كلّفنا إيّاه. وأكثر ما يستوقفني أنّ الناس قد يعجبون فينا بما تمنّينا ألّا نُضطر إلى اكتسابه بهذه الطريقة.
للعلاقات أيضاً حصّتها من السنوات التي أُضيفت إلى أعمارنا. في المراهقة، نعيش الحبّ باندفاع من يكتشف مشاعره للمرّة الأولى، ونمنح ثقتنا لأشخاص نعتقد أنّهم سيبقون إلى جانبنا دائماً. ثم تأتي الخيبات، وتنتهي صداقات حسبناها راسخة، ويصبح رفاق شاركونا أسرارنا غرباء عن تفاصيل حياتنا. ومع تقدّم العمر، تتبدّل أشكال الخسارة. نبني مع آخرين أحلاماً ومستقبلاً مشتركاً، قبل أن تتركنا بعض النهايات أكثر حذراً في علاقاتنا التالية. فنخشى من أشخاص جدد ما فعله بنا غيرهم، وقد نبالغ في حماية أنفسنا حتى نخلط بين الحكمة والخوف. والأقسى أن نتلقّى بعض دروس الحياة ممّن أردنا فقط أن نكون سعداء بقربهم.
ومع الوقت، يجد بعضنا نفسه في موقع الشخص الذي يفهم ويحتوي الجميع. يصبح هاتفه ملجأً لمن ضاقت بهم الأمور، ويُنتظر منه أن يعرف الحلّ كلّما تعقّدت مشكلة. لكنّه قد يتردّد طويلاً قبل أن يطلب المساندة لنفسه. وكلّما نجح في إخفاء تعبه، ترسّخت صورته بوصفه الطرف الأقوى، حتى يصبح الاعتراف بحاجته إلى الآخرين أصعب من مواصلة التحمّل.
تعود بي الذاكرة أيضاً إلى كلمة لم أقلها، واعتراف أخفيته، ومغامرة تراجعت عنها خشية أن أبدو ساذجاً. بعض الندم الذي أحمله اليوم يتعلّق بتلك اللحظات التي فضّلتُ فيها التصرّف كما يُتوقّع منّي، على أن أكون عفوياً وأجرّب وأخطئ. فليست جميع خساراتنا نتيجة أشياء حدثت، إذ قد تترك الاحتمالات التي لم نعشها فراغاً لا نعرف كيف نملؤه.
ثم يأتي المجتمع بمقاييسه التي تتبدّل باستمرار.
في العشرين يُطلب منّا تحديد مستقبلنا،
وفي الثلاثين تحقيق الاستقرار،
ثم تبدأ المقارنات بإنجازات أصدقائنا.
وما إن نبلغ هدفاً حتى يظهر آخر، فنجد أنفسنا في سباق لا ينتهي. أجد شيئاً من العبث في أن نقضي أيامنا نلاحق صورة رسمها الآخرون لنا، ونبتعد تدريجياً عمّا نرغبه فعلاً.
أصبحتُ أكثر تسامحاً مع أخطائي القديمة. أدرك الآن أنّ بعض القرارات التي ألوم نفسي عليها اتّخذتُها بمعرفة محدودة، وفي ظروف ضيّقت أمامي الخيارات. فما يبدو اليوم تصرّفاً خاطئاً قد يكون، في لحظته، أقصى ما استطعنا فعله. ومن القسوة أن نحاكم أنفسنا على الماضي بعين تعرف ما لم نكن نعرفه آنذاك.
اليوم، أتأمّل المسافة بين الإنسان الذي أصبحتُه، وذلك الذي كان يمكن أن أكونه لو سارت حياتي على نحو مختلف.
أتساءل إن كان هدوئي يشبهني حقّاً، أم أنّني تعلّمته في أيام لم أستطع فيها الانهيار. وإن كانت عزلتي خياراً أحببته، أم ملاذاً وجدت فيه راحتي بعيداً من مطالب العالم.
يصعب أحياناً أن نميّز بين ما اخترناه لأنفسنا وما اضطررنا إلى التكيّف معه، خصوصاً بعدما تصبح وسائل نجاتنا جزءاً من شخصياتنا.
أفكّر اليوم في الطفل الذي كان يفرح كلّما سمع أنّ عقله أكبر من عمره.
أتمنّى لو استطعت أن أخبره بأنّه ليس مضطرّاً إلى فهم كلّ شيء، وأنّ من حقّه أن يعيش بعض الأيام من دون أن تشغله عواقبها، وأن يخطئ من دون أن يشعر بأنّ العالم سينهار بسبب خطئه.
وبعدما أمضيتُ سنوات أعتزّ بتلك العبارة، أجدني اليوم أقول في سرّي ما لم أتخيّل يوماً أنّني سأقوله.
يا ليتني لم أكن أكبر من عمري.
