ورثة الحروب البريئون

ورثة الحروب البريئون

لم يختر الطفل الحرب، ولم يشارك في قراراتها، ولم تتح له فرصة فهم أسبابها أو التمييز بين أطرافها. ومع ذلك، يجد نفسه في قلبها، ولو من خلف شاشة، يشاهد الدمار، ويسمع أصوات الانفجارات، ويرى وجوهاً تتكرّر في نشرات الأخبار مقترنة بالخوف والموت والتهديد. شيئاً فشيئاً، قد يبدأ في رسم خريطة للعالم لا تقوم على ما يعرفه عن الناس، بل على ما تعلّمه عنهم: نحن في جهة، وهم في الجهة الأخرى.


نحن الضحايا، وهم الأعداء.


هكذا، قد تدخل الحرب إلى عقل الطفل قبل أن يفهمها، وتتشكل صورته عن الآخر قبل أن يلتقي به. فبين مشهد وآخر، وكلمة تتكرّر وأخرى تُغيّب، لا يكتفي الطفل بمشاهدة الأحداث؛ بل يحاول تفسيرها بالأدوات المحدودة التي يمتلكها. وحين تغيب التفسيرات، قد تتحوّل الصور إلى أحكام، والخوف إلى رفض، والانتماء إلى معيار للحكم على الآخرين.

المسألة هنا لا تتعلّق بما يشاهده الطفل فحسب، بل بما يتعلّمه من طريقة عرض ما يشاهده. فالخطر لا يكمن فقط في أن يعرف أنّ هناك عدواً في زمن الحرب، بل في أن يقتنع بأنّ العداوة صفة ثابتة في الآخر، وأنّ هويته وحدها تكفي لتحديد ما إذا كان يستحقّ التعاطف أو الخوف أو الرفض.

حين تتحوّل الشاشة إلى مصدر لفهم العالم

لا يستقبل الطفل التغطية الحربية بالطريقة نفسها التي يستقبلها بها البالغ. فالمشاهد التي يستطيع الراشد وضعها، ولو جزئياً، في سياق سياسي أو تاريخي، قد تصل إلى الطفل مجزّأة: انفجار، جريح، جنازة، وجه غاضب، أو عبارة تُكرَّر على الشاشة. ومن هذه العناصر يبني تصوّره الخاص عن الحدث، وقد يمنحها معاني تتجاوز ما تثبته الوقائع.

وتزداد خطورة هذا المسار حين تتكرّر المشاهد العنيفة من دون تفسير يتناسب مع عمره، أو حين يسمع تعميمات تختزل جماعة كاملة في أفعال بعض أفرادها.
عندها، قد يصعب عليه التمييز بين صاحب القرار السياسي والمدني الذي لا يملك سلطة عليه، وبين المقاتل والطفل الذي يعيش في الجهة المقابلة، وبين المسؤولية عن فعل محدّد والانتماء إلى هوية مشتركة. في هذه الحالة، لا تُصنع صورة العدوّ بالضرورة عبر خطاب مباشر يدعو إلى الكراهية. فقد تتشكّل أيضاً من خلال التكرار والانتقاء، ومن خلال مَن يظهر في الصورة ومَن يغيب عنها، وأيّ ألم يُمنح مساحة واسعة وأيّ ألم يمرّ بوصفه تفصيلاً عابراً.

وحين يرى الطفل معاناة جماعته باستمرار، بينما لا يرى معاناة الآخرين إلا نادراً، قد يتعلّم التعاطف بصورة انتقائية؛ فيصبح الألم مأساة كاملة عندما يصيب مَن يعتبرهم “نحن”، ومشهداً أقلّ إنسانية عندما يصيب مَن وُضعوا في خانة “هم”. لا يعني ذلك أنّ التعرّض للأخبار يقود حتماً إلى الكراهية، أو أنّ الأطفال يتلقّون الرسائل الإعلامية بصورة متطابقة. فالأثر يتأثّر بالعمر، والتجربة الشخصية، والبيئة الأسرية والاجتماعية، وطبيعة المحتوى، ومدى إتاحة الفرصة للطفل كي يسأل ويناقش. لكنّ المشكلة تبدأ حين تُترك الصور القاسية لتفسّر نفسها بنفسها، وحين يتلقّى الطفل أحكاماً جاهزة قبل أن يمتلك الأدوات التي تساعده على فهمها.

ما الذي يتشكّل داخل عقل الطفل؟

ليس ضرورياً أن يعلن الطفل موقفاً عدائياً كي يظهر أثر الحرب فيه. فقد يعبّر عن خوفه من خلال رسوماته، أو يكرّر عبارات يسمعها في المنزل أو على الشاشة، أو يرفض اللعب مع طفل آخر بسبب اسمه أو لغته أو خلفيته. وقد يظهر التأثّر أيضاً في اضطراب النوم، أو التعلّق الزائد بالأهل، أو الانزعاج من الأصوات المرتفعة، أو طرح أسئلة متكرّرة عن الموت والخطر.

لكنّ هذه العلامات لا تعني تلقائياً أنّ الطفل أصبح كارهاً للآخر، كما أنّ رسمة أو عبارة منفردة لا تكفي للحكم على ما يدور في ذهنه. الأهم هو فهم السياق الذي ظهرت فيه، والإصغاء إلى ما يحاول التعبير عنه، وملاحظة ما إذا كان الخوف يتحوّل إلى تعميمات ثابتة عن أشخاص لم يلتقِ بهم.
فقد يتكوّن في ذهن الطفل سؤال لا يعرف كيف يصوغه: هل يمكن أن يكون الشخص طيّباً إذا كان ينتمي إلى الجهة التي قيل لي إنّها عدوّي؟


هنا تتجاوز المسألة الخوف من الحرب إلى طريقة فهم الإنسان نفسه. فالطفل يتعلّم تدريجياً مَن يستحقّ الثقة، ومَن ينبغي الحذر منه، ومَن يُنظر إلى معاناته بوصفها خسارة إنسانية، ومَن يصبح ألمه أقلّ حضوراً في الحكاية. وإذا تكرّرت هذه التصنيفات من دون مساءلة، فقد تتحوّل المواقف المرتبطة بصراع محدّد إلى أحكام عامة على جماعات بأكملها.

وفي المجتمعات التي تتداخل فيها الحرب مع الذاكرة العائلية، لا تأتي هذه الصور من الشاشة وحدها. فقد تحملها قصص الأقارب، وتجارب النزوح، وفقدان الأحبة، والخوف الذي يعيشه الأهل، والعبارات المتوارثة عن جماعات أخرى. وعندها، تصبح الحرب تجربة شخصية حتى بالنسبة إلى طفل لم يعش تفاصيلها مباشرة، لأنّه يتلقّاها عبر مشاعر المحيطين به وذكرياتهم ومواقفهم. لذلك، لا يكفي مطالبة الطفل بألّا يخاف أو بألّا يكره. فالمشاعر لا تتغيّر بأمر مباشر، ولا يجوز التعامل مع غضبه كما لو أنّه موقف سياسي ناضج اتخذه بعد فهم متكامل للوقائع. البداية تكون بمعرفة ما الذي يخيفه، وما الذي يعرفه فعلاً، وما الذي استنتجه بنفسه، وما الذي تعلّمه من المحيطين به.

تأطير الإعلام لصورة الحرب

في التغطيات الحربية، لا تتكوّن الرسالة من الوقائع وحدها. فاختيار الصور، وترتيب المشاهد، وصياغة العناوين، والمفردات المستخدمة لوصف الأطراف، وتكرار تفاصيل على حساب أخرى، كلّها عناصر تؤثّر في الطريقة التي يُقدَّم بها الحدث للجمهور. وقد لا يدرك الطفل أنّ هذه العناصر تتضمّن اختيارات تحريرية، وأنّ الصورة التي يشاهدها، مهما كانت حقيقية، لا تمثّل بالضرورة المشهد كاملاً.


فإذا قُدّم طرف باستمرار من خلال العنف وحده، بينما ظهرت معاناة طرف آخر عبر قصص العائلات والأطفال والأحلام المهدّدة، فقد يتحوّل هذا التفاوت في السرد إلى جزء من الصورة التي يبنيها الطفل عن كلّ منهما.


وتزداد خطورة الرسالة حين تُستخدم لغة تنزع الإنسانية عن جماعة كاملة، أو حين تتحوّل أفعال أفراد إلى أحكام على ملايين الأشخاص. فالكلمات لا تصف الواقع فحسب؛ بل قد ترسم أيضاً الحدود التي تفصل بين مَن يُنظر إليهم بوصفهم بشراً لهم مخاوفهم وحياتهم، ومَن يُختزلون في هوية أو صفة أو تهمة جماعية.

ولا تعني المسؤولية الإعلامية إخفاء فظائع الحرب، أو تخفيف خطورة الانتهاكات، أو المساواة بين الأطراف بصرف النظر عن الوقائع والمسؤوليات. بل تقتضي نقل المعلومات بدقّة، والتحقّق من الادعاءات، ووضع الأحداث في سياقها، والتمييز بين المسؤولية الفردية والتعميم الجماعي، واحترام كرامة الضحايا من دون تحويل مآسيهم إلى مشاهد استعراضية. فالطفل لا يحتاج إلى نسخة مخفّفة من الحقيقة بقدر ما يحتاج إلى حقيقة تُقدَّم بطريقة يستطيع فهمها. هناك فرق بين أن يعرف أنّ حرباً تقع وأنّ أشخاصاً يتعرّضون للأذى، وبين أن يُترك أمام مشاهدها المتكرّرة حتى يصبح العنف في نظره اللغة الطبيعية للعالم، وتبدو الكراهية الردّ الوحيد الممكن عليه.

الصراع من الشاشة إلى العلاقات اليومية

قد لا يبقى أثر الحرب محصوراً في لحظة المشاهدة. فالرسائل التي يتلقّاها الطفل يمكن أن تدخل في تصوّراته عن العدالة والانتماء والقوة، وأن تنعكس على علاقاته مع أقرانه، ولا سيّما عندما يتعلّم أنّ الدفاع عن جماعته يقتضي رفض جماعة أخرى.


قد يكرّر في المدرسة عبارة سمعها في المنزل، أو يربط زميلاً لا يعرف عنه شيئاً بصورة شاهدها على الشاشة، أو يفترض أنّ شخصاً ما يشكّل خطراً لمجرّد أنّه يحمل هوية مختلفة. وهكذا، ينتقل الصراع من المجال السياسي والعسكري إلى الحياة اليومية، حيث يصبح الأطفال أنفسهم عرضة لأحكام لم يصنعوها ولم يختاروا الظروف التي أنتجتها. غير أنّ هذا المسار ليس حتمياً. فالأطفال قادرون على مراجعة تصوّراتهم عندما يجدون بيئة تسمح لهم بالسؤال، وتقدّم لهم تفسيرات واضحة، وتتيح لهم التعرّف إلى الآخرين خارج الصور النمطية.


ويمكن للتعليم النقدي، والعلاقات الإنسانية المباشرة، والحوار داخل الأسرة والمدرسة، أن تساعدهم على التمييز بين ما يشاهدونه وما يستنتجونه، وبين الخوف الذي يشعرون به والحكم الذي يصدرونه. ولا يعني ذلك مطالبة الطفل بالتخلّي عن ذاكرته أو عن تعاطفه مع ضحايا الحرب، أو تجاهل الظلم الذي يشاهده. بل المطلوب ألّا يتحوّل الدفاع عن ضحية إلى مبرّر لنزع الإنسانية عن ضحية أخرى، وألّا يصبح الانتماء حكماً نهائياً على قيمة الإنسان. فالقدرة على إدانة العنف لا تتعارض مع القدرة على رؤية الإنسان في الطرف الآخر. بل إنّ فهم المسؤوليات بدقّة، بدلاً من توزيع الذنب على أساس الهوية، هو ما يسمح للطفل ببناء موقف أخلاقي لا تحكمه الكراهية وحدها.

ماذا يستطيع الأهل أن يفعلوا؟

لا يستطيع الأهل دائماً منع الأخبار من الوصول إلى أطفالهم، خصوصاً في المجتمعات التي تصبح فيها الحرب جزءاً من الأحاديث اليومية والمشاهد المحيطة. لكنّهم يستطيعون التأثير في الطريقة التي يفهمون بها ما يرونه. يمكن أن يبدأ الحوار بسؤال بسيط:
“ماذا فهمت ممّا شاهدته؟”


فهذا السؤال يتيح اكتشاف ما وصل إلى الطفل فعلاً، وما أضافه من مخاوف أو استنتاجات، بدلاً من افتراض أنّه فهم الحدث بالطريقة نفسها التي فهمه بها البالغ. ومن المهم تصحيح المعلومات الخاطئة بلغة تناسب عمره، وتجنّب التفاصيل الصادمة التي لا يحتاج إليها، والحدّ من تعرّضه المتكرّر للمشاهد العنيفة، ولا سيّما قبل النوم. كما ينبغي الإصغاء إلى مشاعره من دون السخرية منها أو تضخيمها، والإجابة عن أسئلته بصدق، من غير تقديم وعود لا يمكن ضمانها. ولا تكفي الطمأنة العامة إذا كان الخطر حقيقياً أو قريباً. يحتاج الطفل عندها إلى معلومات واضحة تتناسب مع عمره، وإلى معرفة الخطوات العملية التي يتّخذها الكبار لحمايته.


وإذا استمرّ القلق أو أثّر بوضوح في نومه أو سلوكه أو حياته اليومية، فقد يكون من المفيد الاستعانة باختصاصي نفسي للأطفال. لكنّ الحوار لا يبدأ عند تشغيل التلفاز أو إغلاقه فقط. فالأهل أنفسهم يشاركون في تشكيل صورة الآخر، من خلال نبرة حديثهم، وتعليقاتهم، والنكات العدائية، والتعميمات التي قد يردّدونها من دون انتباه. وما يسمعه الطفل داخل المنزل قد يرسخ في ذهنه بقدر ما تعرضه الشاشة، وربما أكثر، لأنّه يصدر عن أشخاص يشكّلون مرجعيته الأساسية لفهم العالم.

أيّ ذاكرة نتركها للجيل الذي يكبر وسط الحرب؟

قد تنتهي الحرب عسكرياً، لكنّ أثرها لا ينتهي بالضرورة مع توقّف إطلاق النار. فالأطفال الذين يكبرون وسط الصور والخسارات والخطابات العدائية قد يحملون معهم تصوّرات عن الآخر تستمرّ بعد زوال الحدث الذي ساهم في تشكيلها. وما يبدأ خوفاً من خطر حقيقي قد يتحوّل، إذا تُرك من دون فهم ومراجعة، إلى حكم دائم على أشخاص لم يلتقِ بهم الطفل يوماً. ولا تكمن المسؤولية في منع الأطفال من رؤية العالم كما هو، بل في مساعدتهم على رؤيته بأكثر من زاوية. أن يفهموا أنّ للحرب أسباباً وقرارات ومسؤوليات، وأنّ إدانة فعل لا تعني إدانة جماعة كاملة، وأنّ الإنسان لا يُختزل في هويته أو في الجهة التي وُلد فيها.

إنّ مسؤولية حماية وعي الطفل لا تقع على الصحافي وحده، ولا على الأهل أو المدرسة وحدهم. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من اللغة التي نصف بها الآخرين، والصور التي نختار نشرها، والأسئلة التي نسمح للأطفال بطرحها، والمساحة التي نتركها أمامهم للشكّ في الأحكام الجاهزة. فالطفل الذي يعرف الآخر من تجربته الإنسانية يملك فرصة لرؤيته خارج الصورة النمطية. أمّا الطفل الذي يتعلّم عنه من مشاهد الحرب وحدها، فقد يخلط بين ما فعله فرد وما تمثّله جماعة، وبين ما يخشاه وما ينبغي أن يرفضه، وبين الانتماء والذنب.

أخطر ما قد تتركه الحرب في ذاكرة الطفل ليس صورة الدمار وحدها، بل المعنى الذي يتعلّمه منها. فإذا تعلّم أنّ الألم لا يستحقّ التعاطف إلا عندما يصيب جماعته، وأنّ الآخر عدوّ بحكم هويته، فإنّ الصراع يكون قد تجاوز ساحته العسكرية ليبدأ معركة أخرى داخل وعي الجيل الذي سيكبر بعده. ومن هنا، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت نشرات الأخبار تنقل الحرب بدقّة، بل يمتدّ إلى ما إذا كانت تساعد الطفل على فهمها من دون أن تورّثه الكراهية. فبين الصورة التي تثير الخوف والحكم الذي يصنع العدوّ، تقع مسؤولية الكبار في ألّا يتركوا الطفل وحيداً أمام الشاشة، يتعلّم كيف يخاف قبل أن يتعلّم كيف يفهم.