بين أصالة وسوريا أناسٌ نسوا الأصالة

بين أصالة وسوريا أناسٌ نسوا الأصالة

ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا يكفيها التأريخ السياسي وحده، بل تحتاج إلى من يصغي إليها كما يُصغى إلى قصيدة: بأذن تلتقط ما لا يُقال بقدر ما تلتقط ما يُقال. في السابع عشر من أيلول، تصعد أصالة نصري إلى مسرح صالة الفيحاء في دمشق، بعد خمسة عشر عاماً من غياب فرضه عليها الموقف لا الظرف، لتحيي حفلاً لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه.
فهي، في ظاهرها، خبر فني عابر يُدرج في زوايا الصحف الخفيفة؛ وهي، في باطنها، مرآة تُرى فيها أمة كاملة وهي تتفحص جراحها، وتتساءل – بعد كل هذا الخراب – إن كان قد بقي لها ما تفرح به.

لم يكن الغناء يوماً، في تاريخ هذه المنطقة، فعلاً بريئاً من السياسة. من المتنبي الذي غنّى للسيف قبل أن يغنّي للقصيدة، إلى أم كلثوم التي كانت أغنيتها بياناً سياسياً لا يقل وقعاً عن خطاب رئيس، عرف العرب دائماً أن الصوت الجميل قد يكون أخطر على السلطة من ألف بيان. ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول عودة مطربة إلى مدينتها إلى قضية رأي عام، ففي هذه البلاد لا شيء يبقى بريئاً طويلاً؛ حتى الفرح يُستدعى إلى المحكمة، ويُسأل عن هويته، وعن نياته، وعن الجهة التي ينتمي إليها.

لا يمكن، مع ذلك، فهم حجم هذا الجدل من دون استعادة موقع أصالة الفعلي من الثورة السورية منذ اندلاعها في العام 2011. لم تكن فنانة محايدة اختارت لاحقاً أن تتموضع سياسياً بعد اتضاح المشهد، بل كانت من أوائل الأصوات الفنية المعروفة التي أعلنت انحيازها الصريح في مرحلة كان فيها الانحياز يعني خسارة كل شيء: العقود، والجمهور الرسمي، والأمان الشخصي، وربما أكثر من ذلك.
دفعت ثمناً باهظاً: حملات تخوين منظمة، قطيعة مع المؤسسات الرسمية، وغياب قسري امتدّ خمسة عشر عاماً عن مسارح مدينتها.

حين تعود اليوم، تحت رعاية وزارة الثقافة، في سوريا ما بعد سقوط النظام السابق، فإن عودتها تُقرأ – من منظور لا يجامل – كاعتراف متأخر بدور فنانين اختاروا الوقوف مع مجتمعهم في أقسى مراحل تاريخه الحديث. هذه الوقائع ليست تفصيلاً هامشياً في سيرتها، بل هي جوهر ما يجعل عودتها اليوم مشحونة بدلالة تتجاوز الفني إلى السياسي والرمزي.

غير أن ما يستحق التوقف هنا ليس الجدل بحد ذاته، فالجدل قديم قدم السلطة والمنبر معاً، بل طبيعة الأصوات التي أطلقته هذه المرة. فقد وجدنا، لأول مرة منذ زمن طويل، أن خطاب المنع أصبح مادة للسخرية قبل أن يكون مادة للخشية. وهذا وحده انقلاب يستحق أن يُدرس: كيف يتحول صوت كان يُخيف الناس بالأمس إلى صوت يُضحكهم اليوم؟ وهل في هذا الضحك نجاة، أم أنه مجرد قناع آخر للخوف القديم؟

من يتأمل خطاب المعترضين، الصادر عن دعاة سلفيين، يلحظ أنه خطاب فقد صلته بجوهر ما يدّعي الدفاع عنه. فالدين، في صورته العميقة عند غالبية الناس، لم يكن يوماً عدواً للفرح، بل كان – في تجلياته الصوفية والشعبية معاً – احتفاءً بالحياة لا نفياً لها. أما هذا الخطاب الجديد، فقد اختزل الدين في قائمة ممنوعات لا تتسع للظلم، وتتسع فقط للأغنية؛ لا تحتمل الفساد، وتحتمل فقط ثوب امرأة تقف على مسرح. وهذا التقشف الأخلاقي الانتقائي – أن يُغضّ الطرف عن الكبائر وتُستنفر الجيوش لمحاربة صوت – هو بالضبط ما جعل هذا الخطاب يفقد وقاره، ويتحول، في أعين من كان يُفترض أن يخاطبهم، إلى فرجة.

فالأصوات ذاتها التي تخرج اليوم لتطالب بإلغاء حفل فني باسم “الفضيلة” و”حماية الثورة”، لم تُبدِ الحماسة نفسها تجاه قضايا أشد اتصالاً بجوهر العدالة: استمرار غياب المعتقلين والمغيّبين قسرياً، وتعثر مسارات العدالة الانتقالية، واستشراء الفساد. لم تكن حاضرة في المعتقلات، ولا تحت القصف، ولا في التظاهرات الأولى حين كان الخروج فعلاً محفوفاً بالمخاطر. لما جاء دور الأغنية، وجدت فيها أخيراً عدواً لا يرد، ومعركة لا خسارة فيها. هكذا وُلد جيل من الوعّاظ الذين اختاروا معاركهم بعناية: لا معركة إلا حيث الخصم أعزل، ولا بطولة إلا في مواجهة صوت امرأة لا تحمل سلاحاً سوى حنجرتها. واليوم، بعد أن تحمّل آخرون الثمن الأكبر، تحاول هذه الأصوات أن تحتكر لنفسها حق تعريف ما تعنيه “الثورة المنتصرة”، فتختزله في تضييق جديد للحياة بدل اتساعها – احتكارٌ لا يستند إلى تضحية فعلية، بل إلى خطابة متأخرة.

وحين يفقد الخطاب رهبته، لا يبقى منه إلا شكله: النبرة، والإصبع المرفوع، وذلك الحماس المسرحي الذي كان يُخيف حين كان مسنوداً بسلطة فعلية، فصار اليوم، بلا تلك السلطة، أقرب إلى أداء كوميدي غير مقصود. هذه سنّة قديمة في تاريخ الأمم: كل استبداد، حين يفقد أنيابه، يتحول إلى فولكلور يُستعاد على سبيل النكتة لا الخشية. ضحك الناس يوماً من هيبة الحاكم بعد سقوطه، كما يضحكون اليوم من هيبة الواعظ بعد أن أدركوا أن غضبه مُصطنع، وأن معاركه مختارة بعناية تاجر لا بحرقة مؤمن. لكن هذا الضحك، رغم عذوبته، لا ينبغي أن يخدعنا: فبعض هذه الأصوات ما زالت قادرة على التحريض الفعلي، وما زال لها جمهور يؤمن بها إيماناً حقيقياً لا سخرية فيه. غير أن الاتجاه العام واضح: الخطاب الذي بُني على الترهيب بدأ يفقد قدرته على الترهيب، ويستعيض عنها – رغماً عنه – بقدرة أخرى لم يكن يطلبها: قدرة على التسلية.

ومن الناحية المفاهيمية، يشترك هذا الخطاب، في جوهر آلياته لا في شعاراته، مع منطق الاستبداد الذي قامت الثورة أصلاً ضده: كلاهما يخشى الصوت الحر الذي لا يستأذن أحداً، وكلاهما يسعى لفرض وصاية على ما يُقال، ومتى يُقال، وبأي شكل. الفارق الوحيد هو اللافتة المرفوعة، لا جوهر السلوك.

وفي صوت المرأة تحديداً يكمن سرّ هذا الاعتراض المتكرر عبر العصور. لم يُثر الجدل نفسه، بالحدّة نفسها، حول عودة فنانين رجال إلى المشهد العام، وهو ما يكشف أن جوهر الاعتراض لا يتعلق بالموسيقى بوصفها فعلاً فنياً، بل بفكرة أن تمتلك امرأة مساحة عامة كاملة، مسموعة ومستقلة، من دون أن تكون تابعة أو مراقَبة. فالمرأة، حين تمتلك صوتاً مستقلاً في الفضاء العام، لا تُتّهم بالخطيئة بقدر ما تُتّهم بالاستقلالية ذاتها؛ لا عن فكرة أن تقف على مسرح من دون وصاية، ومن دون استئذان، ومن دون أن تنتظر من أحد أن يمنحها الإذن بالوجود. هذا ما يخيف خطاب الوصاية في جوهره: ليس صوت المرأة، بل أن يكون هذا الصوت ملكها وحدها. أصالة، بهذا المعنى، ليست مطربة تعود إلى مسرح فحسب، بل رمزٌ لفكرة أن المرأة السورية يمكن أن تجمع بين المعارضة السياسية والفن والحضور العام الكامل، من دون أن تُختزل إلى دور واحد يُرضي تصورات الآخرين عنها.

وصلتُ أنا إلى دمشق في الأيام نفسها التي كانت تستعد فيها أصالة للعودة، في تزامن لم أخطط له لكنه بدا، بأثر رجعي، محمّلاً بدلالة لا يمكن تجاهلها. في المطار، كانت رائحة المدينة كما هي، رائحة لا تُخطئها الذاكرة مهما طال الغياب، ومشيت في شوارع حفظت خطاي قبل أن أنساها، بين وجوه أنهكها الانتظار الطويل لكنها لم تفقد بريقاً عنيداً في العينين. في تلك الأيام، وبينما كنت أستعيد صلتي بالمكان، كانت أصالة، في مكان آخر من المدينة نفسها، تستعد لصوتٍ طال انتظاره. لم ألتقها، لكنني شعرت أننا وصلنا معاً، من طريقين مختلفين، حاملين الحمولة نفسها: حمولة من اتُّهم بالخيانة لأنه أحب وطنه بطريقة لم تُعجب أصحاب السلطة، أياً كانت تلك السلطة وأياً كان ثوبها.

الثورة، حين خرجت، لم تخرج لتُضيّق الحياة بل لتوسّعها. لم يمت من مات، ولم يُعتقل من اعتُقل، ليُستبدل سجّان بسجّان آخر يرتدي عباءة مختلفة. أرادوا وطناً يتسع للمصلّي وغير المصلّي، للمحجّبة وغير المحجّبة، لمحب الطرب الأصيل ولمن لا يطيقه، ولمن يجمع بين الاثنين في قلب واحد من دون أن يُساءل عن ذلك. من يظن أن النصر يعني تضييق هذه المساحة، إنما يخون الحلم الذي دُفع من أجله كل هذا الثمن الفادح، ويستبدله بحلم آخر لم يشارك في صناعته، بل جاء ليقطف ثماره وحده.

ستُضاء صالة الفيحاء في السابع عشر من أيلول، وستمتلئ بمن انتظروا هذه اللحظة طويلاً. لن تكون تلك خيانة للموتى، بل واحدة من أكثر الطرق الإنسانية للقول لهم: لم نستطع إنقاذكم، لكننا نحاول أن ننقذ ما تبقّى فينا من حياة. وبينما ترتفع الأصوات مرددة كلمات الشوق والعودة، ستبقى أصوات المعترضين في الخلفية، عاجزة عن أن توقف شيئاً، لأن ما يخشونه ليس أغنية بعينها، بل فكرة أن الناس، بعد كل هذا الألم، لا يزالون قادرين على أن يفرحوا من دون استئذان أحد.

وهذا، في نهاية المطاف، هو الدرس الذي يصعب على أصحاب المنابر القديمة أن يستوعبوه: أن الصوت الحرّ، حين يعلو، لا يطلب إذناً؛ وأن الضحكة، حين تنتصر على الخطبة، تكون قد أنجزت ثورة صغيرة لم تكن أقل شأناً من الثورة الكبرى.