تسليع أوجاعنا النفسية واحتكار علاجها للقادرين

تسليع أوجاعنا النفسية واحتكار علاجها للقادرين

لم تكن نوبة الهلع التي باغتت صديقة لي البارحة بسبب خلل عضوي، بل كانت المشكلة مادية بحتة، كنا نجلس في هدوء داخل مقهى دافئ كالعادة، عندما فجأة وضعت هاتفها جانباً وحدثتني بصوت بطيء مُنهك: “أنا ما بقى بدي كون مبسوطة أنا بس ما بدي إنهار “.

بينما كنت أحتسي قهوتي على مهل، كانت هي ترسم داخل رأسها عمليات جمع وطرح بين كلفة علبة الدواء التي تُبقي دماغها حيّاً، وبين حاجاتها الأساسية التي تُبقي نفسها كريمة.
​في تلك اللحظة، أدركت أن المشكل الفعلي ليس فقط في الإصابة بالمرض بل الأمر يمتد حتى لسبل العلاج المتاحة ومدى قدرتنا على تحمل تكاليفها التي تنهك الحال.
​
انطلاقاً من هنا تتجلى لنا الحقيقة التي نتغاضى عنها:
كيف تحولت الصحة النفسية من حق إنساني إلى امتياز طبقي يُباع ويُشترى؟

بين حقيقة المرض وتسليع الشفاء

قال المحلل النفسي الشهير كارل غوستاف يونغ مرّةً إن “المرض النفسي ليس خياراً، إنه طريقة الجسد والنفس في صراخ الحقيقة التي نرفض رؤيتها”.

حتى اليوم لا يزال هناك من يعتقد أن الألم النفسي ما هو إلا كمشة أفكار نرفض التخلي عنها، ونتعنت لها، ونتظاهر بالهوان وقلة الحيلة تبعًا لها.
لكن الحقيقة غير ذلك، فالمرض النفسي هو حقيقة بل وحقيقة مطلقة، فهو ثقل حقيقي يغير كيمياء المخ وطعم الأشياء والحياة.

​يبدأ الأمر دائماً ببساطة، ضيق وكدرة، فتُدق أجراس النُصح من حولنا: قم بتمارين بالاسترخاء، أو مارس الرياضة، استمع لبودكاست عن الصحة النفسية. لكن كل من خاض تجربة الاكتئاب أو نوبات القلق والهلع وغيرها يعرف أن هذه النصائح تشبه عرض مظلة ورق على شخص يغرق في وسط المحيط.

​في مجتمعاتنا العربية بشكل خاص تدحرجنا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من إنكار المرض النفسي وتحويله لمجرد مزاج سيء، يُعالج ببعض العبارات التي نُغدقها على المُصاب، إلى تسطيحه و اعتباره قلة إيمان وتدين أو ضعف شخصية.

وبين هذا الإنكار وذاك التسطيح، تضيع حقيقة المرض النفسي كواقع طبي حقيقي ووجودي يكابده الإنسان بجميع جوارحه.

قصة تسليع أوجاعنا

إذا كانت كُل السلع متعلقة بالمال، فالدواء النفسي متعلق بالصحة.
لا يُشبه الدواء النفسي أي سلعة أخرى في السوق، فالانقطاع عنه لم يعد أبداً قراراً شخصياً ولا خياراً حتمياً ينساق نحوه المريض لقلة مادياته، بل إن المريض فعلاً مسيرٌ فيه لا يملك فيها رفاهية التوقف المفاجئ عن العلاج.

هذه الحاجة الحتمية بالذات هي ما حولت “الحبة” من ضرورة طبية إلى ثغرة تنفذ منها كل الطموح القذرة سياسية كانت أو اقتصادية.

فعندما تَرفع الحكومات أيديها عن القطاع الصحي، وتوجهها نحو جيب المواطن عن طريق سياسات التقشف وتحرير أسعار الصرف، وتحمله الفاتورة كاملة بل وتُدفعه ثمن الورقة التي طُبعت عليها، فهي بذلك تضطره للمفاضلة بين قوته اليومية وعلاجه.

وفي الوقت ذاته هناك في الكواليس من يستغل تلك الحاجة الماسة من قِبل احتكارات شركات الأدوية والمستوردين ككارت تفاوض مالي وسياسي لفرض الشروط وتحقيق أرباح أعلى.

وهكذا وبمرور السنوات، يُعاد تدوير هذا السيناريو وعرضه بجميع أزماته الخانقة ومشاهده القاسية التي يُطالب فيها المريض الأعزل بدفع ثمن استقراره الذهني من ماله الخاص والذي قد لا يملك رُبعه.

وفي النهاية يتكرس العلاج النفسي كرفاهية طبقية حصرية لمن يملك الثمن، بدلاً من أن يكون حقاً إنسانياً مكفولاً للجميع.

العلاج النفسي حق ليس صفقة

إذا كان هناك درس واحد نخلُص إليه، ألا وهو أن الدواء النفسي ليس سلعة يُقاس استحقاقها بميزانية الفرد، بل إن حماية صحة المواطنين النفسية حق مكفول لا يجوز المساس به أو تحويله لصفقة تجارية تحت أي شكل من الأشكال.

فالأجساد الهزيلة والعقول التي أضنتها الوساوس والهذيانات لا ينبغي أن تكون أداة للمساومة، ولا الساحة الممتدة التي تُسوَى فيها أزمات السلطة واقتصادات السوق اللاأخلاقية.