8 Nov 2026
Like this post
اعتدتُ أن أسمع أن الشتاء فصل الكآبة: سماء رمادية، نهارات قصيرة، ومطر يوقظ في الناس شعورًا بالوحدة.
أما الصيف، فيُقدَّم عادةً بوصفه فصل الحياة: شمسٌ ساطعة، أيام طويلة، وشوارع تمتلئ بالحركة.
لكنّ شيئًا في علاقتي بالفصول تبدّل. صار الشتاء، على عتمته، يمنحني راحةً لا أجدها في الصيف، فيما تحوّلت الشمس والضوء والصخب المحيط بي، أحيانًا، إلى علامات على كآبةٍ لا أعرف كيف أشرحها في معظم الأحيان التي أحاول فيها التعبير عن مشاعري تجاه الفصول.
في الصيف، يبدو كل شيء مكشوفًا أكثر مما ينبغي. الضوء يملأ الغرف، والنهار يطول كأنه يطالبني بأن أكون حاضرًا، متيقظًا، ومستعدًا للحياة. لا مكان كثيرًا للاختباء من هذا السطوع؛ الأشياء واضحة، والوقت ممتد، والعالم في الخارج يواصل حركته بسرعة.
وحين لا أستطيع مجاراته، يصبح الضوء نفسه ثقيلًا، كأنه يكشف المسافة بين ما يُفترض أن أشعر به وما أشعر به فعلًا. وربما يكون هذا الشعور مرتبطًا بحالة “الخوف من الغد” التي تجعل الانسان يشعر بخوفٍ من فترات النهار، ومن قدوم الأيام وضجّتها.
فثمة ضغط خفيّ في فكرة أن علينا أن نكون سعداء لأن الطقس “جميل”. أن نخرج، ونلتقي، ونستفيد من الأيام الطويلة. كأن الشمس لا تضيء الشوارع فحسب، بل تضيء معها توقعات الآخرين أيضًا: أن نكون أخفّ، أكثر نشاطًا، وأكثر إقبالًا على الحياة.
لكنّ المزاج لا يتبدّل دائمًا مع الطقس، ولا تتحوّل الأيام المشمسة بالضرورة إلى أيام سهلة. أحيانًا، تزيد المفارقة وضوحًا: كل هذا الضوء من حولي، فيما أشعر بأن شيئًا في داخلي ينطفئ.
أما الشتاء، فأجد فيه مساحةً أوسع للتنفّس. الليل المبكر لا يبدو لي نهايةً لليوم، بل تخفيفًا من صخبه. والسماء الملبّدة لا تطالبني بابتسامةٍ كي أستحقها.
في الطقس المظلم شيءٌ يشبه الإذن بالهدوء؛ أن أبقى في البيت، أن أقلّل من الكلام، وأن أترك اليوم يمرّ، على ثقله أحيانًا، من دون أن أبرّر مزاجي لأحد.
لا أشعر أن عليّ أن أكون في أفضل حالاتي لمجرد أن العالم في الخارج يضيء.
ربما تمنحني عتمة الشتاء ما لا يمنحني إياه الصيف: شعورًا بأن الخارج يشبه الداخل قليلًا. حين يصبح النهار رماديًا، لا أضطر إلى تمثيل الخفة أمامه. وحين يطول الليل، أستعيد إيقاعي الخاص، بعيدًا من استعجال الأيام المفتوحة.
لا يعني ذلك أن الشتاء خالٍ من الحزن، أو أن العتمة علاجٌ له؛ إنما يعني أنني أجد في هذا الفصل سكينةً لا أجدها في الضوء الساطع، الفاقع الإضاءة بالنسبة لي.
قد يكون ما تغيّر هو أنني لم أعد أرى الفصول كما يراها الآخرون، أو كما تصفها الصور الشائعة.
لم يعد الصيف وعدًا بالفرح، ولا الشتاء مرادفًا للكآبة.
لكلّ منا طقسه الداخلي، وقد لا يطابق الطقس الذي يراه الناس من حوله.
أحيانًا، تكون الشمس ثقيلة، ويكون الليل رحيمًا. وأحيانًا، لا تحتاج الراحة إلى يومٍ مشرق؛ يكفيها أن تخفت الأصوات قليلًا، وأن يسمح العالم لنا بأن نكون كما نحن.
ومن الناحية الطبية، يُعرف أن الاكتئاب ذي النمط الموسمي قد يظهر لدى بعض الأشخاص في الصيف أيضًا، وإن كان النمط الشتوي أكثر شيوعًا، وقد تسهم عوامل مثل الحرّ والرطوبة في تفاقم الأعراض لدى بعضهم.
لكن تفضيلي لطقس الشتاء، أو شعوري بالضيق في الصيف، لا يكفي وحده لتسمية التجربة اضطرابًا موسميًا؛ فالتشخيص يتطلب نمطًا متكررًا وأعراضًا مؤثرة، ويحتاج إلى تقييم مختص.
ما أصفه هنا هو اختلاف تجربتي مع الضوء والفصول، لا قاعدة تنطبق على الجميع ولا تشخيصًا لنفسي.
فالأمر يشبه التعرّض المتكرّر لتجربة مؤلمة: أي أن الصيف يصبح في بعض الأحيان بضجّته وحرّه وصخبه، محفّزًا لذكرياتٍ كانت جميلةً لكنها تحوّلت إلى مكامن ألمٍ محفوظ، فمن صفات الصيف الحريّة في سلوك الناس وخروجهم من عتمة الشتاء وتحفّظ الخريف وهدوء الربيع، ولربّما في هذا تحفيزٌ إضافيٌّ للأماكن الهادئة في الدماغ، بما تحمله من حزن دفين.
لا أريد أن أسمّي هذا انقلابًا في الفصول بقدر ما أراه انقلابًا في علاقتي بها:
صار الصيف، بالنسبة إليّ، موسمًا أصعب، وصار الشتاء فسحةً أهدأ.
وربما لهذا أحبّ عتمته؛ لا لأنها تزيل ما أشعر به، بل لأنها لا تطلب مني أن أخفيه.