تأقلمتُ مع الوحدة بعدما أكثرتُ من الإنسان

تأقلمتُ مع الوحدة بعدما أكثرتُ من الإنسان

منذ طفولتي، كانت علاقتي بالوحدة أشبه بعلاقة إنسان بشيء يحبه ويخشاه في الوقت نفسه. كنت أفضّل البقاء بمفردي، وأجد في الانسحاب من الآخرين راحة يصعب تفسيرها، لكنني كنت أخاف أن تتحوّل تلك الراحة إلى حياة كاملة. كنت محاطاً بالأشخاص، ومع ذلك، كان يرافقني شعور غامض بأن أحداً منهم لا يصل إليّ فعلاً. ربما تعلّمت باكراً أن وجود الناس حولنا لا يمنحنا بالضرورة الإحساس بأننا مرئيون.

كبرت، وبدأت الدوائر تضيق كما يحدث في حياة معظم الناس. تفرّقت الصداقات، وتبدّلت الأولويات، وصار العثور على شخص يمكن الاطمئنان إليه أكثر صعوبة. لكنّ ما حدث معي تجاوز التقلّص الطبيعي للعلاقات. كانت كل تجربة تترك أثراً أعمق من سابقتها، وكل صداقة تنتهي تجعل الاقتراب من شخص جديد أكثر كلفة. أما العلاقات العاطفية، فقد خرجت منها بخيبات متراكمة، حتى أصبحت أخشى ما قد يفعله بي الإنسان أكثر مما أخشى غيابه.

أدركت لاحقاً أنني أمضيت سنوات أبحث عن مكاني في حياة الآخرين، كأنّ قيمتي تتحدّد بمقدار حاجتهم إليّ. كانت معظم الأشياء التي أفعلها مرتبطة بشخص ما. أخرج من أجله، وأخطّط معه، وأتحمّس لفكرة لأنني سأشاركه إياها. كنت أستمدّ جزءاً كبيراً من سعادتي من قدرتي على إسعاد الآخرين، وأبالغ أحياناً في تلبية رغباتهم، مدفوعاً برغبة دفينة في أن أكون شخصاً يصعب الاستغناء عنه.

ثمة قسوة خفيّة في أن يربط الإنسان استحقاقه للمحبّة بما يقدّمه. يصبح العطاء وسيلة لطمأنة خوف قديم من الهجر، ويتحوّل الاهتمام بالآخرين تدريجياً إلى استنزاف للذات. ومع الوقت، وجدتني أعرف كيف أصنع لحظة جميلة لشخص آخر، وأجهل تماماً كيف أصنعها لنفسي.
بدأت أحاول تغيير ذلك بأشياء صغيرة. أذهب إلى المقهى بمفردي، وأحمل حاسوبي لأعمل خارج المنزل، وأتناول الغداء أو العشاء من دون أن أنتظر أحداً. تبدو هذه التفاصيل عادية في حياة كثيرين، لكنها بالنسبة إليّ أشبه بتعلّم لغة تأخّرت في اكتسابها، لغة أفعل فيها الأشياء لأنني أرغب بها، ولأنّ وجودي وحده سبب كافٍ للاستمتاع بها.
ومع ذلك، ما زالت بعض المشاهد تؤلمني.

أجلس الآن في مقهى، أكتب هذه الكلمات بصعوبة، وأراقب الأشخاص من حولي. أصدقاء يتبادلون الأحاديث، وحبيبان يتشاركان وجبة، وآخرون يضحكون أو يتحدّثون بوجوه متعبة. حتى الحزن يبدو مختلفاً عندما يجد الإنسان من يجلس أمامه ويصغي إليه.
أنظر إلى الكرسي المقابل لي، فأجده فارغاً.
يتكرّر المشهد في السيارة. أتوقّف عند إشارة المرور، وألمح أشخاصاً يتحدّثون داخل السيارات المجاورة، ثم ألتفت إلى المقعد بجانبي. وفي الشارع، أمرّ بأشخاص يسيرون معاً، فأفكّر في المسافة التي باتت تفصلني عن تجربة بسيطة كهذه. أتساءل أحياناً عمّا إذا كنت سأجد يوماً شخصاً أشاركه تفاصيل لا تستحقّ أن تُروى لأحد، لكنها تصبح ثمينة لأنّ أحداً اختار الإصغاء إليها.
يؤلمني أيضاً أنني لم أعرف معنى الصداقة التي تبدأ في الطفولة وتكبر مع أصحابها. أرى أشخاصاً يحملون تاريخاً مشتركاً يمتدّ لعقود، يتذكّرون نسخاً قديمة من بعضهم، وأشعر أنني أفتقد شيئاً يستحيل تعويضه بالكامل. فكلّما تقدّم العمر، أصبح تكوين العلاقات أكثر تعقيداً، وصار على الإنسان أن يشرح نفسه من البداية لشخص لا يعرف شيئاً عمّا عاشه.

أعود إلى غرفتي معظم الأيام. أشاهد فيلماً، أو أستمع إلى الموسيقى، أو أكتب. أعرف تفاصيل هذا المكان جيداً، وأعرف كيف أقضي ساعات طويلة فيه من دون أن أشعر بالوقت. لكنّ الألفة مع الوحدة لا تلغي وحشتها. أحياناً أشفق على نفسي، وأحزن لأنني اعتدت غياب أشياء كنت أتمنّى أن تكون جزءاً طبيعياً من حياتي.

ثم أتذكّر ما اختبرته برفقة أشخاص جعلوني أشعر بوحدة أشدّ قسوة. أتذكّر العلاقات التي اضطررت فيها إلى تصغير نفسي، والصداقات التي استُنزفت فيها مشاعري، والمرات التي عدت فيها إلى غرفتي منهكاً من وجود إنسان آخر.

هناك عزلة تنشأ من غياب الأشخاص، وأخرى تنشأ من حضورهم المؤذي. الأولى تترك مكاناً فارغاً، أما الثانية فقد تجعل الإنسان غريباً حتى عن نفسه.

لهذا تغيّر ظنّي القديم بأنّ الوحدة قاتلة. اكتشفت أنّ الإنسان قد يكون أشدّ فتكاً منها، وأنّ بعض الغياب يمنحنا فرصة لاستعادة ما فقدناه في علاقاتنا.
ما زلت أحزن أمام الكرسي الفارغ، وما زلت أتمنّى أحياناً أن أجد من أشاركه الطريق. لكنني تعلّمت أن أجلس، وأن أطلب قهوتي، وأن أكمل يومي.

ربما يسمّي البعض ذلك قوّة، ويراه آخرون استسلاماً. لا أعرف حتى الآن أيّهما أقرب إلى الحقيقة. كلّ ما أعرفه أنّني تأقلمت مع الوحدة، وما زلت أتألّم منها أحياناً، لكنني أصبحت أخشى الإنسان الذي يجعلني أحنّ إليها أكثر من خوفي من أن أبقى وحيداً.