3 Oct 2026
Like this post
ليس غريباً على لبنان أن يجد نفسه عند تقاطع طرق إقليميّ. فلطالما وجد نفسه نقطة التقاء إن كان جغرافيّاً أو، وهذا الأهم والأخطر، إيديولوجيّاً. لا عجب إذاً حين نرى هذا الوطن الصغير المدمن على الحريّة أرضاً خصبة لتصارع الأفكار والتيّارات السياسيّة والدينيّة بشتّى أنواعها، لتتراوح القضايا التي يحملها على عاتقه من ثأر العرب إلى محاربة الإمبريالية إلى رفض الانصهار العربي إلى التفرّد في مهمّة محو إسرائيل. وفي خضمّ الصراعات كلها هذه وصل المواطن اللبناني إلى حالة عجز تام في تعريف نفسه خارج أُطُرها، بل حتّى انّه غير قادر على الاتفاق حول تعريف واحد لمصطلحات شديدة الاهميّة في تشكيل هويّة جماعيّة، مثل الوطنيّة والسيادة والمقاومة والاحتلال، من دون الاستناد إلى مقاربة تتمحور حول موقفه من دولة هنا أو موقعه في صراع هناك.
وممّا لا شك فيه أن قدرة التأثير على السرديّات الوطنيّة تتفاوت بين مكوّنات المجتمع من الحين إلى الآخر. وممّا لا شكّ فيه أيضاً أن الفريق الذي كان يتمتّع بالقدرة الأعلى على تعريف المصطلحات خلال العقود الثلاث المنصرمة كان فريق الممانعة الذي اعتاد على فائض قوّة يستعمله في الداخل لإخضاع الجميع، بدءاً بالمعارضين الشيعة, وصولاً الى بقية الأفرقاء السياسيين معرقلاً جميع العمليّات الديمقراطيّة والدستوريّة. فيبتكر تفسيرات غريبة ويفرضها بالقوّة و يحاول أن يكرّس اعرافاً كان آخرها استحالة انتخاب رئيس جمهوريّة ما لم يسمّيه أمين عام حزب الله.
وكلّما رفض اللبنانيون تصرفاته وحاولوا المواجهة بالطّرق السلميّة او الشرعيّة، قابلهم بالاغتيالات والقمع العسكري مثل اجتياح بيروت في 7 ايّار. وفرض على سائر المواطنين خطاباً يختزل معنى الوطن بجبهة مفتوحة ويقيس الوطنيّة بمدى الاستعداد للذوبان في معارك تتجاوز حدود لبنان، كي تبرز عقليّة يمكن اختصارها بقول الراحل زياد الرحباني: “الوطنيّة يعني ضد اسرائيل”.
من المفهوم اذاً أن تؤدّي هذه المعاملة الى نموّ نقمة على هذا المحور في وجدان اللبنانيّ. نقمة تفاقمت سنة بعد سنة حتى بلغت ذروتها عند إقحام البلاد في حرب عبثيّة سنة 2023. وبعد هزيمة حزب الله في حرب إسناد غزّة، دفعت هذه النقمة بعض اللبنانيين الى انتهاز لحظة ضعفه لكسر جميع القيود والمحرّمات التي فرضها واقتات على استغلال نتائجها. من هنا ذهب هؤلاء في تمرّدهم الى ردّ فعل معاكس لا يقلّ اختزالاً، تمثّل باعتناق كلّ ما يعادي هذا المحور لتصبح رغبتهم في “شرب البيرة في تل أبيب” هي رمز تحرّرهم، المستفزّ عمداً، من هيمنة دامت 30 سنة. ثم يأتي تصنيفهم كعملاء وخونة ليكون تبسيطاً لحقيقة مرّة يصعب تقبّلها، وهي تسبُّب حزب الله في تطرّف أجزاء من مكوّنات البلد كنتاجٍ طبيعيّ لسنوات من القمع الرمزي والسياسي.
ويمكن فهم ردّ الفعل هذا نفسيّاً وسياسيّاً. هناك رغبة واضحة في توجيه الاهانة الى من احتكر تعريف الوطنيّة لعقود والقول له:
“لم تعد قادراً على فرض قاموسك الأخلاقي والسياسي علينا!”
وهذا مفهوم. الّا انه، رغم مفهوميّته، يبقى قاصراً، ويُبقينا رهينة المنطق نفسه ويتجاهل جوهر المشكلة لنتلهّى بأشكال تجلّيها.
فما الفارق اذاً؟ حين يكون معنى وجودي السياسي مربوطاً بالصلاة في الأقصى فأنا أربط هويّتي بهدف خارجيّ يتجاوز حدود الدولة الحديثة. وحين أربط معنى “تحرّري” بشرب البيرة في تل أبيب، فأنا أقع في الفخ نفسه وإن كان في الاتجاه المعاكس.
في كلتا الحالتين لا يكون لبنان الفكرة المركزيّة، بل ساحة تعكس صراعات الدول المجاورة.
ونبقى عندها عالقين في تعريف ذواتنا انطلاقاً من اللآخر، تارة عبر العداء المطلق لاسرائيل، وتارة عبر التماهي المطلق معها والعداء المطلق لإيران. ويكون الأجدى في هذه الحالة أن نترفّع عن إشباع نقمتنا وأن ننتج خطاباً يعالج جوهر المشكلة طارحاً مقاربة جديدة لتعريف هويّتنا الوطنيّة انطلاقاً من مصلحة لبنان ومصالح مواطنيه المشتركة متّخذين هذه المصلحة بوصلةً تحدّد موقفنا من ايّ طرف وتبقينا وطموحاتنا ضمن حدود وطننا.
فما المانع اصلاً إن اقتصرت أحلامي على الصلاة في جامع الأمين في بيروت بدلاً عن الأقصى؟ وما المشكلة إن لم تتعدى اهدافي شرب البيرة في ميناء طرابلس؟ لماذا تُطرح هويّتي السياسيّة كخيار قسريّ بين القدس وتل أبيب؟ لماذا أُسأل دوماً، بين طهران وتل أبيب، اين يقع ولائي؟
“من شو بتشكي بيروت؟”
بين الصلاة في الأقصى والبيرة في تل أبيب قد أختار كأس ليموناضة من “حِلمي” في البترون!
ربما هذا، بحدّ ذاته، موقف سياسيّ أعمق ممّا نظن.
أن أكون لبنانيّاً وحسب. لا تابعاً لمحور ولا خصماً لمحور. أن لا أعرّف عن نفسي بمقدار كرهي لدولة أو ولعي بدولة أخرى. أن يكون لبنان غايتي، لا محض وسيلة في معارك رمزيّة دائمة. فعذراً زياد، وعذراً يا عاشقي السهر في تل أبيب، إن وطنيّتي أعمق من أن تُقاس انطلاقاً من اسرائيل.