شراكة الأكثريات الصامتةفي صناعة العنف

شراكة الأكثريات الصامتةفي صناعة العنف

في السياقات التي تشهد تفوقًا واضحًا لأغلبية مهيمنة، تميل “الأكثريات الصامتة” إلى التكيّف مع ميزان القوى القائم، في ما يُعرف في الأدبيات السياسية بتأثير “الانحياز للغالب”. ففي الشكل اللبناني، وداخل الفئات نفسها من طوائف ومجتمعات، نلحظ الإلتفاف الجماعي للجمهور حول الطرف الأقوى حتى في اللحظات الأكثر تطلبًا للواقعية المجتمعية، وشكّلت التحوّلات الشعبية داخل “البيئة الشيعية” مثلًا، أساساً لكيفية التعاطي مع الأقليات التي تعلن مواقفها المناهضة لغلبة حزب الله. فأصبح من البديهي أن نرى أفرادًا محايدين، يزايدون على مناصري الحزب في تعدّيه على المعارضين، خصوصًا في ظلّ الحروب الأخيرة التي استجلبها الحزب لجماعته أولاً، واللبنانيين ثانياً. هذا السلوك لا يعكس بالضرورة اقتناعًا حقيقيًا بشرعية العنف، أو بالرؤى السياسية للأغلبية، بل يرتبط غالبًا بالخوف من العزلة الاجتماعية أو العقاب السياسي، كما توضحه نظرية “دوامة الصمت” التي طورتها الباحثة الألمانية إليزابيث نويل نويمان، على أنّها ميل الأفراد إلى إخفاء آرائهم عندما يشعرون أنّها مخالفة للرأي السائد عامةً، خوفًا من العزلة الاجتماعية أو التعرض للهجوم.

ولكن مع تزايد صمت المعارضين، يتعزّز الانطباع بوجود إجماع واسع حول موقف معيّن، ما يمنح الرأي المهيمن قوة إضافية ويؤدي إلى مزيد من الصمت لدى الآخرين. وبذلك، لا يعكس الصمت قبولًا حقيقيًا، بل يساهم فعليًا في تكريس الهيمنة عبر خلق “وهم الإجماع”. في هذا الإطار، يتحول الصمت إلى آلية دفاعية بالنسبة للأفراد، لكنه في الوقت ذاته يسهم موضوعيًا في تعزيز الهيمنة جمعيًا عبر خلق وهمٍ بحصول الإجماع.

“الأكثريات الصامتة”: من الموقف إلى التبرير

غير أن هذا التكيّف لا يفسّر وحده سلوك الأكثريات، إذ تظهر دراسات أخرى أن الأفراد قد يلجأون إلى إخفاء تفضيلاتهم الحقيقية تحت ضغط الكلفة المرتفعة للمعارضة. هنا، لا يكون الصمت تعبيرًا عن قبول، بل عن حساب عقلاني للمخاطر، حيث يصبح التعبير العلني عن الرفض خيارًا غير مجدٍ أو خطيرًا. هذا ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الرأي الخاص والرأي العام، ويجعل المجال العام مشوهًا ومضللًا.

وشهد الواقع اللبناني، بعد العام 2019، على انقسام عميق داخل البيئات الحزبية والطائفية نفسها. فكثير من الأفراد، وخصوصًا داخل القواعد التقليدية للأحزاب، عبّروا في المجال الخاص عن نقد واضح للقيادات السياسية، لكن هذه الاعتراضات، حملت معها كلفةً عاليةً وثمنًا باهظًا بالنسبة للمعترضين. فقد شرع الكثير من أرباب العمل إلى معاقبة الموظفين الذين جاهروا بدعمهم للاحتجاجات التي عمّت البلاد بطردهم من العمل، وذلك لانتساب أصحاب المؤسسات إلى أحزاب السلطة، وكان لمثل هذه الممارسات تأثير واضح في تفكيك الاندماج الحاصل حينها بين المواطنين، خصوصًا أن الهمّ المعيشي كان في أولويّة الشعارات والمطالبات بين المحتجين.

ومع استمرار العنف، قد تنتقل “الأكثريات الصامتة” من موقع الخوف إلى موقع التبرير، عبر تبنّي سرديات تعيد تأطير العنف بوصفه ضرورة أو ردًا مشروعًا، ليتكامل مع الفكرة السائدة التي زرعتها الأغلبية المهيمنة، وربما يكون هذا الأمر هو الأكثر خطورةً في المسار التموضعي للأكثريات المرجّحة. فبهذا التحول، يتم تحييد البعد الأخلاقي للعنف من خلال اللغة والتبرير الجماعي، فلا يعود الصمت سلبيًا فقط، بل يصبح جزءًا من البنية التي تُنتج العنف وتشرعنه.

ماذا لو تموضعت الأكثريات الصامتة ضد العنف؟

إنّ هذا الاستقرار الظاهري لنظرية انحياز الصمت لصالح الغلبة يبقى هشًا، إذ تشير نماذج السلوك الجماعي عند عالم الاجتماع الأميركي مارك غرانوفيت، المتخصّص في دراسة السلوك الجماعي والشبكات الاجتماعية، إلى أن التحولات قد تحدث بشكل مفاجئ عندما يدرك الأفراد أن عددًا كافيًا من الآخرين يشاركونهم الموقف الرافض. فعند تجاوز “عتبة” معينة، يمكن “للأكثريات الصامتة” أن تتحول بسرعة إلى قوة احتجاجية، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل المجال السياسي برمّته، وهذا ما يفسر الانفجارات الاجتماعية المفاجئة التي تبدو غير متوقعة في كثير من الأحيان.

وبالعودة إلى النموذج اللبناني، فمن المهمّ الوقوف عند تجربة تطوّر النسق الاحتجاجي العام خصوصًا بعد المظاهرات الاحتجاجية على أزمة النفايات في البلاد عام 2015 وصولًا إلى انتفاضة تشرين 2019. فالتطور الأساسي حينها كان على صعيد الوعي الجمعي أكثر من كونه تطورًا في المطالبات وسلّم الأولويات الشعبي، فاستطاع الناس عبور “عتبة الخوف من الوحدة” باتجاه الاندماج والتمسّك بالتعويل على الانفجار الشعبي، في ما يمكن قراءته كتراكم لا واعي للتجارب الجماعية.

إلّا أنّ الوصول إلى حالٍ تُرجّح فيها أكثريات الصمت كفّة الأقلية المُعنَّفة يفترض تأمين شروطٍ ثقافية واجتماعية عدّة، إذ إن وعي هذه الأكثريات بكلفة المعارضة لا يكفي بحد ذاته، بل يجب أن يترافق مع تراجع منسوب الخوف، وتوفّر حدّ أدنى من الضمانات الرمزية أو الفعلية للتعبير، إضافةً إلى وجود شبكات تواصل تُعيد تشكيل الإدراك الجمعي وتُظهر أنّ الرفض ليس معزولًا. كما يسهم تفكّك السردية المهيمنة وفقدانها قدرتها على التبرير الأخلاقي في دفع الأفراد إلى تجاوز الصمت، خصوصًا عندما تتقاطع الخبرات الفردية مع إدراكٍ متزايد بقدرة المجموعة على فرض تحولاتٍ في ميزان القوى القائم.

صراع “الأكثريات الصامتة” في معركة العنف
في هذا السياق، يمكن القول إن الأكثريات الصامتة تعيش حالة ازدواجية بين المجالين الخاص والعام، حيث يتم التعبير عن الرفض في الدوائر الضيقة، مقابل الالتزام بالصمت في المجال العام. هذه الازدواجية لا تعكس فقط الخوف، بل أيضًا هشاشة الفضاء العام وافتقاره إلى الضمانات التي تسمح بالتعبير الحر. وبالتالي، فإن الصمت لا يكون مجرد غياب للكلام، بل مؤشرًا على خلل بنيوي في العلاقة بين السلطة والمجتمع، قد تؤدي في مراحل متقدمة إلى تغييب دور الفئات المرجحة في تكوين موقفٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ يعارض العنف، وإنشاء قوة دفع إضافية لمشروع الأغلبية المهيمنة في التطبيع مع العنف.

الأكثريات الصامتة لا تعبّر عن حياد حقيقي، بل تمثل حالة سياسية كامنة تتأرجح بين التكيّف والخوف والتبرير، وقد تتحول في لحظة معينة إلى فاعل حاسم في تغيير موازين القوى، الأمر الذي رأينا بزوغه في لبنان في مراحل كثيرة.