30 Apr 2026
Like this post
لبنان لا يعيد تاريخه صدفة، ولا المسألة سوء حظّ، بل إصرارٌ يكاد يشبه العناد الجماعي. من حربٍ إلى أخرى، من أزمةٍ اقتصادية إلى انهيارٍ أشمل، ومن فسادٍ اجتماعي إلى شللٍ سياسي مزمن… كأن هذا البلد يدور في حلقة مفرغة لا يريد كسرها.
لكن السؤال الأعمق ليس فقط: لماذا نفشل؟ بل: هل نفشل رغم الديمقراطية… أم بسببها؟
الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد صندوق اقتراع، بل وعيٌ يسبق الاختيار. وحين يُفرَّغ هذا الوعي، تتحوّل الديمقراطية إلى أداةٍ تعيد إنتاج الأزمات نفسها، وقد تُنتج شكلًا مقنّعًا من الديكتاتورية: ديكتاتورية الأكثرية.
من السهل تحميل المسؤولية للسياسيين وحدهم، لكن الحقيقة أكثر إزعاجًا: الشعب هو المسؤول الأول عن هذا المسار الإنحداري. ليس لأنه يريد الخراب، بل لأنه يكرر الخيارات نفسها، ويمنح ثقته للوجوه والتوجهات نفسها، ويصمت أو حتى يصفّق حين يجب أن يُحاسِب، ثم يتساءل وبكل سذاجة: أين الدولة؟ يسأل عن دولةٍ يرفضها عندما تتعارض قوانينها مع مصالحه الضيقة، ويهدمها حين يفضّل الطائفة على المواطنة، والفوضى على دولة القانون.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية: هل حكم الأكثرية هو فعلًا الشكل الأنجح لبناء الدولة، إذا كانت هذه الأكثرية نفسها أسيرة الجهل أو التبعية أو حتى الخوف؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تنجح حين يصبح الصوت الانتخابي العقابي انعكاسًا للغريزة لا للوعي؟
في لبنان، لا تتواجه أفكارٌ متنافسة بقدر ما تتصادم عقولٌ مغلقة، تتغذّى من باعة الأوهام على المنابر وتُدار من تجّار السياسة. الطائفية لم تُفرض فقط من فوق، بل ترسّخت من تحت: في التربية، وفي الخوف من “الآخر” يفوق الخوف على الوطن. وهكذا، يفقد صندوق الاقتراع وظيفته التصحيحية ليصبح مرآةً للخلل لا وسيلةً لمعالجته.
يقول نزار قباني:
“أكثر الكتب مبيعاً في الدول العربية هي كتب الطبخ وتفسير الأحلام، وهذا دليل على أننا شعوب تأكل وتنام”.
قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث حين يتساوى صوت المعرفة مع صوت الجهل؟ حين يصبح الرأي غير المبني على وعي مساويًا للرأي المسؤول؟ وكيف لشعب أن يتعلّم من تاريخ يجهله، لا يقرأه، بل يسمعه مشوّهًا عبر خطابات مصمّمة لتخدير العقل؟ لا تعود الديمقراطية نظامًا يحمي القيم، بل نظامًا قد يدمّرها إذا استطاعت أكثرية غير واعية أن تفرض خياراتها.
هذا لا يعني أن البديل هو إلغاء الديمقراطية، بل إعادة تعريفها. فالديمقراطية التي لا تحمي نفسها من الانزلاق إلى الفوضى، ولا تضع حدودًا أمام استغلالها، تتحوّل إلى نقيضها. المطلوب ليس نظامًا جديدًا بقدر ما هو ديمقراطية ناضجة تُبنى على المواطنة لا الطائفة، على المساءلة لا الولاء، وعلى وعيٍ يجعل الاختيار فعلًا مسؤولًا لا ردّة فعل.
المطلوب أيضًا، وهو الأهم، بناء ثقافةٍ اجتماعية تبدأ من البيت اللبناني، حيث تُغرس القيم قبل المصالح، وتمتد إلى المدرسة لتكوين وعي قائم على القانون والتفكير النقدي، ثم إلى الجامعة حيث يتحوّل هذا الوعي إلى مسؤولية، وصولًا إلى مجتمعٍ مدني يترجم هذه القيم إلى سلوكٍ يومي.
لبنان لا يحتاج فقط إلى إصلاحٍ سياسي، بل إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الشعب والوطن… لأن الدولة لا تُبنى بالنظام وحده، بل بالوعي الذي يتعامل معه.