في سوريا الكهرباء كأداة إفقار في زمن الإعمار

في سوريا الكهرباء كأداة إفقار في زمن الإعمار

مع وصول فواتير الكهرباء الجديدة إلى منازل السوريين، تصاعد شعور الضيق في الشارع، وانتقلت الشكوى من إطارها الصامت إلى تعبيرٍ علني عن الاستياء من أسلوب الجباية الذي يثقل كاهل الناس. بعضهم عبّر عن رفضه للدفع، فيما قام آخرون بتسديد الفواتير وهم يحملون إحساساً متزايداً بخيبة الأمل من حكومةٍ كان يؤمَل منها أن تتعامل مع السياسات الاقتصادية الموروثة بروحٍ مختلفة، بعد سنوات طويلة من الإفقار وتآكل القدرة على تأمين أساسيات المعيشة.

في ظل الارتفاع الكاسح في تكاليف المعيشة، والانهيار الحاد في القيمة الفعلية للأجور، لا يمكن توصيف أسعار الكهرباء الجديدة إلا بأنها مجحفة إلى أقصى حد، وتشكل نموذجاً صارخاً لانعدام العدالة الاجتماعية. فالكهرباء، التي يُفترض أن تكون حقاً عاماً ومكفولاً لكل السوريين، تحولت إلى عبءٍ ثقيل يلتهم الجزء الأكبر من الدخل الشهري، ويحرم آلاف الأسر من أحد أبسط مقومات الحياة.

ولا تتوقف الكارثة عند حدود المعيشة اليومية، بل تتجاوزها لتضرب في صميم أي إمكانية لاستعادة الإنتاج السوري. فكيف يمكن لمصنعٍ صغير، أو ورشة، أو مزرعة، أن تعاود العمل وسط تسعيرة كهرباء تضاعفت كلفتها إلى حدٍّ يمنعها من المنافسة حتى مع دول الجوار؟ إن إحدى النتائج المباشرة لهذه السياسة هي شلل عجلة الإنتاج، وما يرافقه من ارتفاع معدلات البطالة، واتساع دائرة الاستيراد التي تستنزف القطاع الأجنبي، وتنسف ما تبقى من قدرة البلاد على النهوض الاقتصادي.

وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي يكرر حديثه عن “إعادة الإعمار”، وكأن هذه الشعارات وحدها قادرة على إنعاش اقتصادٍ يختنق تحت وطأة السياسات ذاتها. فإعادة الإعمار الحقيقية لا يمكن أن تقوم على فواتير تُمعن في إفقار السوريين، وما يحصل اليوم ليس إعماراً، بل سرابٌ وقبضٌ للريح، تروّجه نخبٌ مستفيدة من الإبقاء على النظام الاقتصادي الظالم، الموروث من حقبة الأسد.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: هل فكر من اتخذ هذا القرار فعلاً في انعكاساته على الوضع العام في البلاد، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً؟ هل تمت دراسة ما يعنيه فرض أسعارٍ خيالية على شعبٍ فقد دخله ومدخراته؟ إن الإقدام على خطوة كهذه، قبل أي جهد حقيقي لرفع الأجور بما يتيح لها تغطية تكاليف المعيشة، هو مقامرة خطيرة تفتح الباب أمام مزيدٍ من الاحتقان والانفجار الشعبي.

ومع كل ذلك، فقد أرست هذه القضية معادلة جديدة يصعب محوها: وحدة المنهوبين في مواجهة الناهبين. فملايين السوريين اليوم، على اختلاف طوائفهم وقومياتهم ومناطقهم، يواجهون الفواتير ذاتها، في مقابل فئةٍ ضيقة من الحرامية الكبار، القدامى والجدد، الذين راكموا ثرواتهم من آلام السوريين، ونهبوا موارد البلاد بذريعة تلو الأخرى. وأكدت تجربة الكهرباء مرة أخرى أن الصراع في سوريا لم يكن يوماً سوى صراع بين أقليةٍ ناهبة وأكثريةٍ منهوبة.

وعلى الرغم من رحيل سلطة الأسد، فإن مهمة بناء نظامٍ سياسي جديد لم تُنجز بعد. فما دامت السياسات القديمة مستمرة بالذهنية ذاتها، فإن الشعب السوري سيبقى يدفع الثمن، إلى أن يشق طريقه نحو بناء سياسة اقتصادية عادلة، عبر وحدة المنهوبين ضد الناهبين، والوصول إلى دولةٍ تخدم شعبها، لا جيوب من ينهبونه.