توازن العجز بين أميركا وإيران

توازن العجز بين أميركا وإيران

لا تُنهي الحروب دائمًا اتفاقاتُ وقف إطلاق النار، بل كثيرًا ما تكشفها. وهذا بالضبط ما حدث في الهدنة الأخيرة في الحرب على إيران: توقفت النيران، لكن أسباب الاشتعال بقيت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لم يكن وقف إطلاق النار نتاج انتصار حاسم أو تحوّل استراتيجي كبير، بل نتيجة مباشرة لما يمكن تسميته بـ”توازن العجز”. كل طرف بلغ سقف قدرته على التصعيد من دون أن يحقق الحسم. الولايات المتحدة أدركت أن الانزلاق إلى حرب طويلة في الخليج سيحمل كلفة اقتصادية وسياسية لا يمكن تحملها، خاصة في ظل هشاشة أسواق الطاقة وحساسية الداخل الأمريكي. في المقابل، وجدت إيران نفسها أمام ضغط عسكري واقتصادي متزايد، يهدد بنيتها الحيوية واستقرارها الداخلي، دون أن يمنحها فرصة حقيقية لتغيير قواعد اللعبة.

في هذا السياق، جاءت الهدنة كـ”استراحة اضطرارية”، لا كخيار استراتيجي. وساطات إقليمية ودولية، وضغوط من قوى كبرى قلقة على تدفق الطاقة العالمي، دفعت الطرفين إلى القبول بوقف مؤقت لإطلاق النار، يتسم بالغموض أكثر مما يتسم بالوضوح، وبالهشاشة أكثر مما يوحي بالاستقرار.

المشكلة أن هذه الهدنة لم تقترب من جوهر الصراع. لم تُحلّ أزمة البرنامج النووي الإيراني، ولم تُمسّ مسألة الصواريخ الباليستية، ولم يُعاد تعريف دور الشبكات الإقليمية المسلحة، ولم يُحسم الجدل حول الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. كل هذه الملفات لم تُحل، بل تم ترحيلها إلى مفاوضات مؤجلة، قد تبدأ… أو قد لا تبدأ.

وهنا تكمن خطورة اللحظة: نحن أمام “تجميد للصراع” لا “تسوية له”. فالهدنة، بصيغتها الحالية، تشبه إلى حد بعيد وقف نزيف من دون علاج الجرح. أي احتكاك جديد، أي خطأ في الحسابات، أو أي تصعيد من أطراف غير منضبطة، كفيل بإعادة الأمور إلى نقطة الصفر، بل ربما إلى ما هو أسوأ.

يبقى مضيق هرمز، مرة أخرى، المؤشر الأكثر حساسية. ففتحُه يعني أن العالم لا يزال قادرًا على احتواء الأزمة، بينما إغلاقه، ولو جزئيًا، سيكون إعلانًا عمليًا عن فشل الهدنة وعودة المواجهة بأدوات أكثر قسوة.

السيناريوهات المطروحة لا تخرج عن ثلاثة: إما تهدئة مؤقتة تُمدَّد على وقع مفاوضات بطيئة، أو انهيار سريع يعيد إشعال الجبهات، أو—وهو الاحتمال الأضعف—صفقة كبرى تعيد ترتيب التوازنات الإقليمية من جذورها. لكن المؤكد أن المسار الحالي لا يحمل في طياته مقومات السلام المستدام.

الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن هذه الحرب لم تتوقف لأنها انتهت، بل لأنها استُنزفت. وكل ما حصل هو إعادة توزيع للأوراق، بانتظار جولة آتية قد تكون أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.

في السياسة، كما في الحروب، ليس كل صمت سلامًا. أحيانًا يكون مجرد هدنة .. بين عاصفتين .