نزوح “المنفيين” إلى داخل الخزانة

نزوح “المنفيين” إلى داخل الخزانة

ضميري الكنسيّ لا يوافق على الفكرة، لكنه أيضًا يوافق على أيّ إنسان؛ ففي محراب الوجع تسقط كل الحواجز أمام قدسية الروح. أمّا عن ضميري اللغوي، فيريد ضميرًا مضافًا؛ ضميرًا يتّسع لانتشار الهويّات التي لا تجد لها مكانًا في القوالب الجاهزة، تلك التي تُركت تنزف خلف حدود التاء والواو.

إذ إننا “نحن” نجتمع كلاسيكيًا على “هو، هي، هم، هنّ”، والضمير “هُمْنَ” سيُضاف لا كزينةٍ لغوية، بل كفعلِ إيمان بضمير الإنسانية اللبنانية الذي يجب ألّا يستثني أحدًا من دفئه.

و”نحن” نقبع الآن في جوف هذه الحرب، والنزوح عاصفةٌ تجرّ أماننا إلى المجهول، بل هو زلزال يضرب أعمق نقطة في كينونتنا. والنزوح لا يُختصر بانتقالٍ قسريّ من بيت إلى مدرسة، أو من سرير إلى رصيف؛ إنه، لـ”هي، هو، هُمْنَ” — أولئك الذين لم تكن بيوتهم مجرّد جدران، بل كانت ملاجئ الهوية الأخيرة — صراعٌ وحشيّ للحفاظ على الحدّ الأدنى من الوجود. إنه الهروب من الموت سحقًا بالصواريخ إلى الموت محوًا بإنكار المجتمع. إنهم “هي، هو، هُمْنَ”، الذين تضيع صرخاتهم في ضجيج المدافع، ويُجبرون على دفن ذواتهم تحت ركام الصمت، لئلا يلفظهم وطنٌ لم يتعلّم بعد كيف يتهجّى أسماءهم خارج معجم الرفض.

مِن التغريبة إلى انكسارِ الملاذ

لا يبدو نزوح “هي، هو، هُمْنَ” اليوم غريبًا عن ذاكرة التهميش في بلادنا؛ فنحن لا نزال نعيش أصداء الحرب الأهلية التي حوّلت الملاجئ من مساحات حماية إلى سجون اجتماعية. تمامًا كما حدث في محطات النزوح الكبرى التي عرفها لبنان، حيث كان “المختلف” دائمًا أول من يُدفع إلى الزاوية، وأول من يُطالب بالصمت مقابل الأمان.

يجد “هي، هو، هُمْنَ” أنفسهم اليوم في مواجهة نزوحٍ مزدوج: نزوحٌ من لهيب القصف الذي لم يميّز بين بيت وآخر، ونزوحٌ من الانتماء إلى مجتمعٍ يقرّر في لحظات الخطر أن يستعيد أنيابه، فيتحوّل الملجأ المشترك إلى محكمةٍ تراقب النبرة واللباس والحركة.

إنّ إعادة تمثيل هذه الواقعة المريرة تجعل من خسارة المساحة الآمنة لـ”هي، هو، هُمْنَ” اليوم أكثر من مجرد سقوطِ جدران؛ فبيوتهنّ في الضاحية، أو الجنوب، أو بيروت، لم تكن مجرد قطعٍ من إسمنت، بل كانت بمثابة الجلدِ الثاني، والمساحة الوحيدة في لبناننا التي لا تتطلّب اعتذارًا عن الوجود. هناك، خلف الأبواب الموصدة، كان هو يتنفّس بملء رئتيه، وكانت هي ترسم ملامحها من دون خوفٍ من مقصلة العادات. لكنّ الحرب، في وحشيتها، لم تكتفِ بهدم السقف، بل قشّرت ذلك الجلد الواقي، وهدمت الملاذ الأخير.

حين وقع الانفجار، لم ينزح “هي، هو، هُمْنَ” باتجاه المدارس والملاجئ فحسب، بل نزحوا عراةً من أمانهم النفسي، ليعودوا “منفيين” داخل وطنهم. في مراكز النزوح المزدحمة، حيث تتبخّر الخصوصية، تصبح الهوية عبئًا يرتجف في عيون غرباء لا يرون في الضحية سوى قالبٍ نمطي. إنّ خسارة “الغرفة الخاصة” هي الموت الصغير الذي يسبق خسارة الوطن؛ فالبيت الذي كان يحميهم من برد المجتمع صار ركامًا، تاركًا أجسادهم مكشوفة أمام ريح التهميش، ومجبَرةً على الانكماش لتفادي صدام قد يكون أقسى من شظايا القذائف.

أقنعة النجاة والعودة القسرية إلى الخزانة

خلف جدران النزوح الرطبة، يمارس كلٌّ من “هي، هو، هُمْنَ” نوعًا آخر من التمويه؛ إنه نزوحٌ عكسيّ من الضوء إلى العتمة، ومن الحقيقة إلى القناع. حين تنهار الجدران، تُبنى بدلًا منها سجون غير مرئية؛ فيضطرّ هو إلى قصّ لسان تعبيره، وتُجبر هي على ارتداء ثوبٍ يطمس تمرّدها، فقط لكي تمرّ بسلام بين ممرّات المدارس التي تحوّلت إلى قرى مصغّرة تلبس ثوب “الحشمة” الإجباري.

إنها العودة إلى داخل الخزانة، لكن هذه المرة تحت وطأة القصف. النزوح لـ”هي، هو، هُمْنَ” ليس بحثًا عن سقفٍ فحسب، بل هو رحلة بحثٍ عن تخفٍّ يمنح الأمان. يُجبرون على طمس هويتهم، ومحو الوشم، وتغيير نبرة الصوت، خوفًا من عَسَس المجتمع الذي يراقب في الملاجئ كل حركةٍ لا تشبه السائد.

لا يتوقف الأمر عند حدود المشاعر، بل يتحوّل الخوف إلى سلوكٍ يوميٍّ مُجهِد. داخل تلك الممرات المزدحمة، يراقب هو خفّة يده وهو يتناول ربطة الخبز، فيشدّ قبضته لتبدو خشنة بما يكفي لئلا تثير ريبة النازحين من حوله. تخشى هي أن تلمح الأعين قصّة شعرها المتمرّدة أو ثيابها التي كانت يومًا عنوان استقلالها، فتستعير ثوبًا واسعًا، لا تقوى، بل لتتخفّى كشبحٍ لا يثير التساؤلات.

الواقع في الملاجئ يفرض امتحاناتٍ قاسية على “هُمْنَ”: فالسؤال عن العائلة أو الزوج أو المنزل يصبح لغمًا قد ينفجر في أي لحظة.

يضطرّون إلى ابتكار قصصٍ وهمية، وتركيب حيواتٍ تشبه حيوات الآخرين؛ لأنّ أيّ زلّة لسان قد تعني النبذ الفوري. إنها مراقبة ذاتية قاتلة؛ أن تراقب نظراتك في طابور المساعدات لئلا تبدو ناعمة أو غريبة، وأن تتجنّب التحدّث بهاتفك لئلا تُسمَع نبرة صوت حقيقية أو تُكشَف صورة على الشاشة.

هنا، يصبح الحصول على “فرشة” للنوم أو حصة غذائية معلّقًا بشرط التماهي مع القطيع؛ فالاختلاف في زمن الحرب ليس مجرّد وجهة نظر، بل هو انتحار اجتماعي قد يرميك في الشارع تحت القصف، وحيدًا بلا حماية.

هناك، تصبح الهوية الحقيقية تهمةً قد تعني الحرمان من فراشٍ أو النبذ من طابور المساعدات. يرتدي “هي، هو، هُمْنَ” أقنعة “الرجولة” و”الأنوثة” الكلاسيكية كدروعٍ واقية، لا رغبةً بل رعبًا.

إن الوجع الأكبر ليس في خسارة البيت، بل في خسارة الوجه؛ حين يقف الإنسان في زحام المأساة، محمومًا بالخوف، ومضطرًا إلى إنكار نفسه ليقبله وطنٌ لا يرى في ألمه خصوصية، ولا في هويته حقًا في الوجود.

عنقاءُ الرمادِ البارد بين الاحتراق في النزوح أو الوجع الوطنيّ

يقبع هو أو هي في زوايا مراكز النزوح الباردة، كأساطير منسية في زمن المادة. إنّ “هي، هو، هُمْنَ” اليوم يشبهون عنقاء الرماد البارد؛ تلك التي احترقت بيوتها، فانتظرت أن تنبعث من الرماد حريةً، لتجد نفسها غارقة في رمادٍ اجتماعيٍّ أكثر صقيعًا ونكرانًا.

يسكنه رعبٌ مزدوج خلف جدران “المجتمع الصغير” الذي حُشر فيه قسرًا؛ خوفٌ من حركة عفوية تكسر قناع التمويه، وخوفٌ من نبرة صوت تُسقط هيبة التخفّي الذي يرتديه ليحمي سقفًا فوق رأسه.

وفي الوقت الذي يقبض فيه “هي، هو، هُمْنَ” على هواتفهم بقلوب مرتجفة، متابعين أخبار الجنوب والضاحية وبيروت ولبنان، يذرفون دمعًا صادقًا على أرض تضيع، بينما ينهش الصمت أرواحهم: “كيف لنا أن نتمتّع بالخلاص لوطنٍ يربط حقّنا في النجاة بإنكارنا لذواتنا؟”… ويجيبون بالخلاص…

يخاف هو أن ينطق برأيه، ويخشى “هُمْنَ” رفع الأبصار، وتتجنّب هي النقاشات، لأن الكلام هنا ليس حقًا، بل مخاطرة هويّاتية قد تنتهي بطردهم إلى العراء. إنه الوجع الأخرس لعنقاء لا تجد نارًا لتُبعث منها، بل تجد ركامًا من الأحكام المسبقة والنفوس التي استرخصت الإنسان إذا لم يشبه صورتها.

يصارع “هي، هو، هُمْنَ” عدوين في آنٍ واحد: طائرات في السماء تسحق ذكرياتهم، وعيونًا في الأرض تتربّص بحقيقتهم، ليظلّوا عالقين في أضيق المنافي؛ يحبّون وطنًا يرفض أن يراهم، وينزحون بقلوب معلّقة بين الانتماء لتراب الأرض والهروب من وحشة البشر.

إلى الضمير الذي لا يَمحوهُ النزوح والزحام

إلى “هي”، و”هو”، و”هُمْنَ”.. إلى أولئك الذين لم تسكت ألسنتهم عن أنين غزّة، ولم يتردّدوا يومًا في تسلّق جبال الحرية الوعرة؛ إلى من لا ينكفئون عن الكلام بلسان المظلومين، ولن ينسوا لبنان في دمهم مهما اشتدّ النكران.

إليكم، يا مجتمع “الميم” الذي كان يجب أن يكون “نونًا” دافئة تحت مظلّة “نحن” الكبيرة.. إليكم، يا من صمدتم في السِّلم لتسلم هويتكم، وتصمدون اليوم في النزوح لتسلم أنفسكم من الانهيار؛ إليكم تنحني التحية.

إنّ اللغة التي نسكنها، تمامًا كالعمر، قد تضيق أحيانًا عن اتّساع وجعنا، لكننا نؤمن أنّها خُلقت من الإنسان ولأجل الإنسان. إنّ الضمير ليس مجرّد قاعدة نتّبعها، بل هو كائن حيّ يولد من رحم المعاناة؛ وحين يجتمع ضمير الإنسان على قدسية أخيه الإنسان، تصبح القواعد تفاصيل صغيرة أمام عظمة الوجود ومرارة الفقد.

لقد صرفنا من أعمارنا الكثير لنبحث عن مكانٍ في القواميس، واليوم نُصرِّف “هي، وهو، وهُمْنَ” فعلًا وحقًا ووجودًا في معجم الكرامة اللبنانية. فإذا ضاقت بنا الكلمات في وقت الضيق، فإن قلوبنا التي تتّسع لوطنٍ كامل رغم جراحه، ستبتكر ألف ضمير وضمير، ليبقى الإنسان فينا هو المبتدأ، ويبقى بقاؤنا، بصدق، هو الخبر الوحيد.