23 Apr 2026
Like this post
العبرة في التنفيذ، فمتى التنفيذ؟
يكاد هذا المصطلح يختصر واقعًا يعيشه اللبنانيون على مدى عقود، شهدوا خلالها عشرات الأزمات وآلاف المواقف والخطط والوعود. أزماتٌ لطالما عرف صُنّاع القرار أسبابها وعواملها وحلولها، لكنهم لم يعرفوا يومًا كيف يخرجون منها، والأَولى أنهم لم يجرؤوا على الخروج منها. قُرارات اتُّخذت بالمئات، لكن قرارًا واحدًا لم يدخل حيّز التنفيذ، فلا عجب أن يبقى لبنان غارقًا في دوّامة الأزمات.
مرّ لبنان بأزماتٍ لا تُعدّ ولا تُحصى، وقد يكون أساسها أن الدولة غير قادرة على اتخاذ قرارها، ونادرًا ما إن اتخذته فهي غير قادرة على تطبيقه، نتيجة هيمنة الدويلة على الدولة.
فمنذ العام 1965، لحظة دخول القوى الفلسطينية المسلحة إلى لبنان، زُرعت أول بذور اللادولة وتهميش السلطة والشرعية اللبنانية، حيث تعجرفت بنادق المنظمات الفلسطينية على نفوس اللبنانيين وبنادق الجيش اللبناني، واصطدمت بالأخيرة في أكثر من محطة، وصولًا إلى العام 1969، حين شرّعت الدولة اللبنانية الدويلة على حساب أمننا واستقرارنا كلبنانيين، في ذلك الثالث من تشرين الثاني المشؤوم.
يومها شُرّعت دويلة منظمة التحرير، وفُتح لها إغراق لبنان بأزمات لا تنتهي.
استمرّت حبال الأزمات بالكرّ حتى العام 1975، حيث تشابكت مصالح الدول والإقليم على عتبة لبنان، فأُغرق بحروب الآخرين على أرضه، وعلِقت الدولة وقرارها بين حبال دويلة فلسطينية وأخرى إسرائيلية وأخرى سورية، وما وراءها من دول، حتى العام 1990، حين اتُّخذ القرار، ولأول مرة بعد سنوات من غياب الدولة على حساب الدويلات، فكان انتهاء الحرب على وقع توقيع اتفاق الطائف.
عادت الدولة والنظام، وعاد الجيش ليحتكر القوة ويحصرها به فقط. حُلّت الميليشيات، أو أقلّه هكذا شُبّه لنا، لكن العبرة في التنفيذ؛ إذ حُلّت الميليشيات ورُسّخت “المقاومة”. عادت الدولة والنظام، لكن بالتوافق والتعايش مع “المقاومة”، أما الجيش فقد جلس في مقدمة معادلة “جيش، شعب، مقاومة”، وتعلّم التكيّف مع الميليشيا.
لعلّ مرحلة ما بعد الطائف كانت خير مثال على عنواننا، حيث تكيّفت الدولة مع واقع السلاح، وأحيانًا كثيرة رضخت له. فمن منّا لا يذكر قرار إبطال شبكة اتصالات حزب الله، ومن منّا لا يذكر كيف انتهى المطاف بهذا القرار؟ أو من منّا لا يذكر مواقف رفيق الحريري، وكيف انتهى به الأمر هو وسائر من واجه الدويلة؟ أو من منّا لا يذكر وعود محاسبة مرتكبي تفجير مرفأ بيروت، ومن خزّن نيترات الأمونيوم، ومن هدّد القاضي طارق البيطار بالقبع؟
كلّها قرارات ومواقف كانت كفيلة بنقل لبنان وواقعه السياسي إلى مسار آخر، لكن السلاح رجّح الكفّة لصالح الدويلة على حساب قيام الدولة. فالعبرة لم تكن في التنفيذ، بل كانت واضحة: كل من يواجه السلاح إمّا يُعزل، أو يرضخ، أو يُقتل.
أما اليوم، فلبنان أمام مرحلة مفصلية؛ النظام في سوريا قد تغيّر، والجمهورية الإسلامية في إيران أكثر هشاشة من قشور الجليد. ولبنان ممتلئ بالزخم والنَّفَس السيادي، خصوصًا مع صعود نواف سلام وجوزيف عون إلى سدة رئاسة الحكومة والجمهورية اللبنانية. وتقع على عاتق الأخيرين مسؤولية كبيرة، خصوصًا بعد خطاب القسم والبيان الوزاري اللذين حملا رزمة من الوعود وبوادر الإصلاح والقرارات الجريئة. فهل ستقوى الشرعية على تطبيقها؟
حتى اللحظة، لا تبشّر الأمور بالخير، حيث سنتوقف عند ثلاث محطات أساسية لتصنيف ما إذا كانت الدولة قد دخلت طور التنفيذ أم لا تزال عالقة بقيود العِبَر.
المحطة الأولى كانت في 5 آب 2025، يوم إقرار سحب كل سلاح خارج عن الدولة. فبعد الجلسة الشهيرة، ظهر لنا أن الدولة قد دخلت مرحلة التنفيذ، خصوصًا مع مصادرة أسلحة من مخيّمَي برج البراجنة والرشيدية، لكن سرعان ما برهن الواقع العكس، أو على الأقل يمكن اعتبار أننا دخلنا مرحلة التنفيذ الخجول، إذ إن الأحداث الأمنية المتكرّرة داخل المخيمات توضّح أنها قادرة على إعادة أحداث 1975، وأنها لا تُفرغ من سلاحها بثلاث شاحنات، بل تحتاج إلى أرتال وقوافل منها.
أما المحطة الثانية فهي تصنيف أعمال حزب الله خارجة عن القانون، إذ فضّلت الدولة الصورة على المضمون، فعوضًا عن تصنيف حزب الله كاملًا كمنظمة إرهابية وخارجة عن القانون، اكتفت بتصنيف أعماله فقط، وكأن الرذائل تأتي من الأفعال وحدها، لا من الفاعل نفسه.
أما المرحلة الأخيرة والأكثر هزلية فهي تصنيف محافظة بيروت، محافظة منزوعة السلاح، المضحك أن القرار أتى بعد يوم فقط من الأربعاء الأسود، الذي أقامت فيه إسرائيل مجزرة بحق بيروت، خاصة الضاحية الجنوبية، فيما الضاحية لا تتبع بالأساس لمحافظة بيروت.
لا عجب أن لبنان غارق بالأزمات، ولا يتعجّب أحد ممّا وصلنا إليه، خصوصًا أن حزب الله لا يزال يتمتّع بقوته العسكرية، فلن نخرج من أزماتنا أبدًا. العبرة اليوم ليست بالمزايدة بالقرارات العقيمة، ولا باتخاذ مواقف غير مجدية؛ العبرة اليوم هي أخذ العبرة فقط: أن لا قرار سيبقى قائمًا مع سلاح خارج الشرعية، ولا دولة ستقوم فيما الدويلة لا تزال تأكل من أكتافها.
العبرة اليوم هي في نزع سلاح الميليشيا، وليس في “إدارة حالة السلاح الخارج عن يد الدولة”. فمتى ستُنتزع الدولة من قبضة الدويلة، ويُنتزع القرار الشرعي من يد اللاشرعية؟ متى سينتقل لبنان من العبرة إلى التنفيذ؟