الثقافة ليست لبائع الهوى

الثقافة ليست لبائع الهوى

بعد الهدنة الأخيرة لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وهدوء دوّامة التحليل السياسي والعسكري التي تعصف بالعقل، بدأت تتردّد في ذاكرتي صور لتصريحات بعض الشخصيات التي تُحسب على النخب الثقافية، لما أدّته من أدوار تنبذ الطائفية، ولا مشكلة لديها من الوصول أحيانًا إلى مستوى يلسع بكلمات رنّانة بيئتها التي اختلطت بها الجذور بالتنشئة الاجتماعية، فأبهرت الجميع، وصفّق الجمهور، وانصرفوا سعداء يتحدّثون عن الجرأة والشجاعة التي تملكها هذه النخب المترهّبة التي تعيد إلى الأذهان أيام فيلم أميركي طويل، وبالنسبة لبكرا شو.

وطرحٌ جريء للفكر العلماني الوحدوي، عدّد ستة من فوائد العلمانية، وعرّف المواطنة، ووصف في خمسة أسطر ما هو فصل الدين عن الدولة، لكن عندما ترتطم الفأس بالجذع، تشبّثوا أشدّ التمسّك بمركب غارق متطرّف دينيًا وعقائديًا، ضاربين كل الأفكار المطروحة سابقًا عرض الحائط.

يزيّنون المومياء بأجمل الحلي حتى نقتنع أنها عروس هذه الليلة، وأنها غير مخيفة، وتبييض للماضي وتسويد للآخرين، وتوزيع شهادات تخاذل وجبن وعمالة على الطوائف.

هل هذا نفاق ثقافي أم خيانة للمبادئ، أم أنه حان وقت إزالة الأقنعة؟ لكن على كل حال أنا حزين لضياع هكذا جهد في غير مكانه، فالسرج المصنوع من ذهب لا يجعل من الحمار حصانًا.

تتكرر هذه الأنماط أمامي منذ اندلاع الثورة السورية، حيث كنا نرتقب في أسابيعها الأولى ردات فعل من المجتمع الثقافي والفني تفوق التحرك العسكري على نظام الأسد، يمكن لهم أن يسقطوا حكمه، وهم أصحاب باع طويل سواء في الكوميديا السياسية العميقة أو من خلال المسرح الثقيل الذي تُسقطه الناس على رأس هرم السلطة في سوريا. وإذ تهلّ التصريحات بأن أحد أعمدة النقد السياسي يتمنى تقبيل الأحذية العسكرية، ولا نعرف إن كان قد رأى أن هذا الحذاء قد تلطخ بدماء أطفال قُتلوا في مجزرة ما، وما أكثرهم، أم أنه قد نال من كرامة ثائر هتف بالحرية.

وآخر أطلّ بأحد البرامج وقال وهو مدموع العينين: رأيت جنديًا على أحد الحواجز، فنظرت في عينيه فرأيت أن النصر آتٍ لا محالة، لكن لا محالة أنه لا يعلم كم بريء تم اعتقاله على هذا الحاجز ولم يرَ النور بعد.

وفلسفة وتنظير لا متناهيان، ولسان متحدث في علم الاجتماع والريادة، بيعت كلها لأجل دور في مسلسل أو تسجيل ألبوم، وأيضًا حاولوا أن يلبسوا الحمار سرجًا من ذهب لعله يصبح حصانًا، وكانت هذه قمة الحماقة.

علينا كشعوب، بعد كل هذه الدلائل، إعادة تعريف المثقف، وإعادة موضعة كل شخصية حسب إنتاجها وولائها، ومن يستحق أن يقود الرأي ومن يكون صوتًا للشعب، وعدم حصر الثقافة بعدد اللغات أو بعدد المتابعين على المنصات أو بالشهرة، فللثقافة تعريفات عدّة.

عينيًا، عندما رأيت في مدينتي أن الدفاع الأشرس عن المدينة أيام حروب النظام السوري عليها كان من الفلاحين دفاعًا عن أرضهم وعن شجرة تفاح من إرث جدوده، فهذه ثقافة وعاها أم لا، هذه ثقافة. وهذا فكر يُرى بالفعل لا بالقول. وعندما أرى فنّي بناء يمنع المتظاهرين من تخريب ممتلكات الدولة، فهذه ثقافة، وعندما أرى ثائرًا يقابل قاتله بالورد والماء، فهذه ثقافة.

الثقافة هي الفارقة بين الخير والشر، والعدل والظلم، والحق والباطل،
وليست لبائع الهوى.