لبنان يحترق بحكم السيادتين

لبنان يحترق بحكم السيادتين

لطالما شكّلت “السيادة” نقطةً محورية في الحياة السياسية للدول، سواء بوصفها الركيزة الأساسية لقيام السلطة وتنظيم علاقتها بالمجتمع وبالخارج، أو من خلال التحوّلات التي طرأت على مفهومها مع دخول عصر العولمة وتشابك المصالح الدولية. ومع تطوّر النظام الدولي، شهد مفهوم السيادة تشوّهات وإعادة تشكيل في بعض التجارب السياسية، حيث تبدّلت بعض مرتكزاته التقليدية وتعرّضت جزئياته لإعادة تعريف تبعًا لظهور سلطات وقوى موازية كما في لبنان.

في تاريخ الفكر السياسي الحديث، يصعب الحديث عن مفهوم السيادة من دون التوقف عند أعمال جان بودان، المفكر الذي حاول للمرة الأولى في القرن السادس عشر، تحويل السلطة من واقعٍ مشتّت وغير مؤطّر، بين الإقطاع والكنيسة والجماعات المسلحة إلى مبدأ سياسي قانوني واضح ومركزي. ففي كتابه الشهير “الكتب الستة للجمهورية”، وضع بودان تعريفًا للسيادة باعتبارها “السلطة المطلقة والدائمة للدولة”، أي تلك السلطة التي لا تعلوها سلطة أخرى داخل الإقليم، ولا تُنازعها قوة موازية في احتكار القرار والعنف والتشريع، بل ويرضى الجميع بصلاحياتها الحصرية. لم يكن تنظير بودان مجرد تأمل فلسفي معزول، بل جاء استجابةً لحروب أهلية ودينية مزّقت فرنسا حينها، حيث أدرك أن الدول لا تنهار فقط بسبب الغزاة، بل بسبب تعدد مراكز القوة داخلها، كما جاء تنظير بودان حينها كانعكاس للصحوة الفكرية والسياسية في أوروبا، والتي كانت لها تبعاتها في عدة دول وعلى جميع المستويات.

من هنا، ارتبط مفهوم السيادة منذ نشأته بفكرة وحدة القرار السياسي. فالدولة، بحسب التصوّر البوداني، ليست مجرد مساحة جغرافية أو مجموعة سكانية، بل هي سلطة عليا تمتلك وحدها حق تعريف الحرب والسلم، وفرض القانون، وتنظيم المجال العام. ولذلك، فإن أي وجود لقوة موازية تحتفظ لنفسها بقرار استراتيجي مستقل عن الدولة، يُعدّ في المنطق البوداني مساسًا بجوهر السيادة نفسها، حتى لو كانت تلك القوة تحظى بشرعية اجتماعية أو أخلاقية أو حتى شعبية، فالشرعيات الأخيرة كلها تدور في كنف السيادة العليا للدولة، ولا يمكن أن تعلو عليها تحت أيّ ظرف.

لكن المفارقة الكبرى أن لبنان، بوصفه دولة حديثة، تشكّل تاريخيًا على قاعدة التعدّد لا الوحدة، وعلى منطق التسويات لا الحسم المركزي. فمنذ تأسيس الكيان اللبناني، لم تنجح الدولة – كمؤسسة عليا – فعليًا في احتكار العنف المشروع كما تفترض النظريات الكلاسيكية للسيادة. بل إن البنية الطائفية للنظام السياسي، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية، وإلى الحسابات الاجتماعية والعرفية المتراكمة، أدّت إلى إنتاج مفهوم ملتبس للسيادة، حيث باتت الدولة تتشارك أدوارها مع الطوائف والأحزاب والمرجعيات الخارجية. وهكذا، تحوّل لبنان تدريجيًا إلى نموذج لدولة ذات سيادة منقوصة، أو سيادة موزّعة بين سلطات متوازية.

في هذا السياق، يبرز نموذج حزب الله بوصفه التعبير الأكثر اكتمالًا عن فكرة “السيادة الموازية”، فالحزب لا يقدّم نفسه كميليشيا خارجة عن الدولة بالمعنى التقليدي، بل كقوة تمتلك شرعية مقاومة، وتعتبر أن ضعف الدولة اللبنانية وعجزها عن حماية الأرض يبرّران احتفاظه بسلاحه وبقراره الأمني والعسكري المستقل، وذلك بمعزل عن أسباب ضعف الدولة وبدون العودة إلى مراجعة ذاتية تبرز تورّط الحزب في منع بناء الدولة السيّدة. ومن هنا تكمن خطورة النموذج: فهو لا ينفي الدولة بالكامل، بل يتعايش معها ويعمل داخل مؤسساتها، وفي الوقت نفسه يحتفظ ببنية سيادية خاصة به تتجاوز الدولة نفسها في قضايا الحرب والأمن والعلاقات الإقليمية، وفي القضاء والتعليم والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

إن الإشكالية الأساسية في هذا النموذج لا تتعلق فقط بوجود السلاح خارج إطار الدولة، بل في إعادة تعريف معنى السيادة ذاتها. ففي التصور الحديث للدولة، السيادة غير قابلة للتجزئة، بينما يقوم نموذج السلطة الموازية على تجزئة القرار السيادي بين مستويين: دولة رسمية تمتلك الشرعية القانونية والدبلوماسية، وقوة موازية تمتلك القدرة الفعلية على فرض التوازنات الاستراتيجية. وهنا يتحول مفهوم السيادة من مبدأ قانوني موحّد إلى توازن قوى داخلي، أي إلى شيء أقرب لما كان قائمًا قبل نشوء الدولة الحديثة التي حاول بودان تأسيسها فلسفيًا، وتصبح الدولة بالنسبة إلى الحزب مكمن يلقى عليه مسؤولية الضعف، في حين يكون النموذج الموازي مسؤولًا عن النواحي الإيجابية والتي تُصاغ كانتصارات مُحتكرة، ما يدفع بشرعية النموذج إلى مزيد من التكريس الشعبي العام.

الأخطر من ذلك أن هذا النموذج يُنتج ازدواجية في الشرعية السياسية. فحين يصبح الحرب أو السلم أو العلاقة مع الخارج مرتبطة بقرار جهة غير خاضعة بالكامل للمؤسسات الدستورية، تفقد الدولة قدرتها على تمثيل الإرادة العامة بشكل موحّد. وفي الحالة اللبنانية، ظهر ذلك بوضوح في محطات عديدة، حيث بدت الدولة أحيانًا كأنها تدير النتائج السياسية والاقتصادية لقرارات لم تتخذها فعليًا، كتحمّل الدولة لنتائج الحروب التي أشعلها حزب الله بدون العودة إلى الدولة، وهكذا، تصبح الحكومة مسؤولة أمام المجتمع الدولي عن قرارات لا تحتكر صنعها، فيما يبقى مركز القوة الحقيقي خارج منطق المحاسبة الدستورية التقليدية، ولا الشعبية الضرورية.

ويدافع أنصار هذا النموذج المشوّه عنه باعتباره استجابة لواقع إقليمي عدائي ولدولة ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها. وهذه الحجة تحمل جزءًا من الواقعية السياسية والتأريخية، خصوصًا في ظل التاريخ الإسرائيلي مع لبنان. غير أن المشكلة الفلسفية والسياسية الأعمق تكمن في أن “السيادة الموازية” ليست وليدة الظروف الاستثنائية ولا يمكن أن توضع في سياق الشرعيات الاستثنائية التي تُجيز لأطراف الخروج عن الشرعية الأساسية بهدف تطويق الظروف والأزمات، كما في حالة مقاومة الاحتلال.ففي عام 2000 وبعد الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها، وبدلًا من تحويل المكسب التحرري إلى مكسب استراتيجي سيادي، تحوّل التحرير إلى تكريس لسيادة موازية بشرعيات مختلفة مازالت مستمرةً حتى اليوم. فعندما تتكرّس قوة ما كمرجعية أمنية واستراتيجية مستقلة، تصبح الدولة نفسها مجرد إطار إداري أو تفاوضي، لا مركزًا فعليًا للسيادة.

هنا يعود فكر بودان ليكتسب راهنيته. فالرجل الذي كتب نظريته وسط الفوضى والحروب الأهلية كان يدرك أن تعدد السلطات السيادية داخل الإقليم الواحد يقود حتمًا إلى هشاشة الدولة، لأن المجتمع يصبح منقسمًا بين ولاءات متنافسة، ولأن القرار النهائي يفقد وضوحه. والسيادة، في معناها الحديث، لا تقوم فقط على القوة، بل على وضوح المرجعية النهائية التي تحتكم إليها الجماعة السياسية.

إن الأزمة اللبنانية ليست فقط أزمة اقتصاد أو طائفية أو فساد، بل أزمة تعريف للدولة نفسها: هل هي المرجعية العليا الوحيدة، أم مجرد أحد اللاعبين داخل شبكة قوى تتقاسم السيادة؟ ومن هنا، فإن النقاش حول سلاح حزب الله يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليصل إلى سؤال فلسفي تأسيسي يتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية وحدودها الفعلية.

في النهاية، تبدو “السيادة الموازية” نموذجًا قادرًا على إنتاج توازنات قوة، لكنه عاجزعن إنتاج دولة مكتملة بالمعنى الحديث، بل هو نقيض الدولة بالمعنى المطلق، فهي تمنح جماعة معينة القدرة أن تُبقي الكيان السياسي في حالة ازدواج دائم بين سلطة رسمية وسلطة فعلية تفتعل الأزمات وترمي نتائجها على الدولة، ولو كانت السلطة الفعلية جزءًا من حكومتها مثلًا، فالخسائر للسلطة السيّدة المفترضة، والانجازات للسلطة الموازية. وبين بودان الذي نظّر لدولة موحّدة تحتكر القرار، ولبنان الذي يعيش تعددًا دائمًا في مراكز القوة، تتكشف المعضلة اللبنانية بوصفها صراعًا مستمرًا حول سؤال لم يُحسم بعد: من يملك السيادة فعلًا؟